الملف العلمي لما يخص المسافر من أحكام المسافر

.

   ما يخص المسافر من أحكام المسافر: الفصل الثالث: مسائل تتعلق بقضاء المسافر للصوم:                         الصفحة السابقة        

 

الفصل الثالث: مسائل تتعلق بقضاء المسافر للصوم:

تمهيــد:

من أفطر أياما من رمضان ـ كالمسافر ـ قضى بعدة ما فاته؛ لأن القضاء يجب أن يكون بعدة ما فاته، لقوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة:184].

ومن فاته صوم رمضان كله قضى الشهر كله، سواء ابتدأه من أول الشهر أو من أثنائه، ويجوز أن يقضي يوم شتاء عن صيف، ويجوز عكسه، بأن يقضي يوم صيف عن يوم شتاء؛ وهذا لعموم الآية المذكورة وإطلاقها([1]).

المسألة الأولى: هل يقضي ما عليه متتابعا أم لا؟

اختلف العلماء في ذلك على قولين:

القول الأول: يجوز له أن يقضي متفرقا، وقيدوه بما إذا لم يفت وقت قضائه، بأن يهل رمضان آخر. وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، وإليه ذهب الحسن وسعيد بن المسيب والثوري والأوزاعي([2]).

واستدلوا بما يلي:

1- قوله تعالى: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة:184].

قالوا: فهذا إطلاق غير مقيد بالتتابع.

2-  عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان يكون علي الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضي إلا في شعبان([3]).

قال ابن كثير رحمه الله: "وهذا قول جمهور السلف والخلف، وعليه ثبتت الدلائل؛ لأن التتابع إنما وجب في الشهر لضرورة أدائه في الشهر، فأما بعد انقضاء رمضان فالمراد صيام أيام عدة ما أفطر"([4]).

القول الثاني: أنه يجب في قضاء رمضان التتابع، حكي عن علي وابن عمر والنخعي والشعبي وداود([5]).

واستدلوا بما يلي:

1- قوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة:185].

قالوا: والشهر متتابع لتتابع أيامه، فيكون صومه متتابعا ضرورة.

2- عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قضاء رمضان: ((يسرده ولا يفرقه))([6]).

قال ابن قدامة رحمه الله: "ولو صح حملناه على الاستحباب؛ فإن المتتابع أحسن لما فيه من موافقة الخبر، والخروج من الخلاف وشبهه بالأداء. والله أعلم"([7]).

المسألة الثانية: ماذا عليه إذا أخَّر القضاء إلى أن يدخل رمضان آخر؟

لهذه المسألة صورتان:

الصورة الأولى: إذا أخر القضاء بعذر، فلا شيء عليه؛ لأنه ما زال متلبسا برخصة الله. والله يقول: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286]. والواجب عليه أن يقضي ما علية في أقرب وقت يتمكن منه.

الصورة الثانية: إذا أخر القضاء بغير عذر، فقد اختلف العلماء في ذلك على قولين:

القول الأول: أن عليه القضاء، وإطعام مسكين لكل يوم، وهو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة([8]).

قالوا: وأما وجوب القضاء فلأنه دين في ذمته لم يقضه فلزمه قضاؤه.

وأما وجوب الإطعام فجبراً لما أخل به من تفويت الوقت المحدد، فيطعم عن كل يوم مسكينا؛ لما روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في رجل أفطر في شهر رمضان من مرض، ثم صح ولم يصم حتى أدركه رمضان آخر قال: ((يصوم الذي أدركه، ثم يصوم الشهر الذي أفطر فيه، ويطعم مكان كل يوم مسكينا))([9]).

وروي عن ابن عباس وأبي هريرة رضي الله عنهما أنه يلزمه الإطعام([10]).

القول الثاني: أنه يلزمه القضاء، وليس عليه أكثر من ذلك، وهو مذهب الحنفية، واختاره ابن عثيمين([11]).

قالوا: إيجاب الطعام مخالف لظاهر قوله تعالى: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [لبقرة:184]، فإن الله لم يوجب إلا عدة من أيام أخر.

وأما الحديث فإنه ضعيف لا تقوم به حجة، وأما ما روي عن الصحابة في ذلك: فيحمل على الاستحباب.

المسألة الثالثة: إذا مات ولم يقض هل يصوم عنه وليُّه أو لا؟ للمسألة صورتان:

الصورة الأولى: إن أخر قضاء رمضان لعذر، بأن استمر سفره إلى موته، ولم يتمكن من القضاء حتى مات، فقد اختلف العلماء في ذلك على قولين:

القول الأول: لا شيء عليه، ولا إثم يلحقه، ولا يصام عنه ولا يطعم؛ وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة([12]).

واستدلوا بما يلي:

1- قوله تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286].

2- عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم))([13]).

3- قالوا: ولأنه حق لله تعالى وجب بالشرع، ومات من يجب عليه قبل إمكان فعله، فسقط إلى غير بدل كالحج.   

 القول الثاني: يجب أن يطعم عنه لكل يوم مسكين، وهو قول طاووس وقتادة.

قالوا: لأنه صوم واجب سقط بالعجز عنه فوجب الإطعام عنه، كالشيخ الهرم إذا ترك الصيام لعجزه عنه.

الصورة الثانية: إن مات بعد تمكنه من القضاء ولم يقض، وللعلماء في ذلك قولان:

القول الأول: أنه لا يصام عنه، بل يطعم عنه لكل يوم مسكين، وهو قول الحنفية والمالكية والحنابلة وأشهر القولين عند الشافعية([14]).

واستدلوا بما يلي:

1-  عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من مات وعليه صيام شهر فليطعم عنه مكان كل يوم مسكينا))([15]).

2-  عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (إذا مرض الرجل في رمضان، ثم مات ولم يصم، أطعم عنه ولم يكن عليه قضاء، وإن كان عليه نذر قضى عنه وليه)([16]).

3-  عن عمرة أن أمها ماتت وعليها من رمضان، فقالت لعائشة: أقضيه عنها؟ قالت: (لا، بل تصدَّقي عنها مكان كلِّ يوم نصفَ صاع على كل مسكين)([17]).

4-      وقالوا: الصوم واجب بأصل الشرع لا يقضى عنه؛ لأنه لا تدخله النيابة في الحياة فكذلك بعد الممات كالصلاة.

القول الثاني: أنه يصام عنه، وهو قول طاووس والحسن والزهري وقتادة وأبي ثور وداود وأصح القولين عند الشافعية ـ كما قال النووي ـ واختاره ابن عثيمين([18]).

واستدلوا بما يلي:

1-  عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من مات وعليه صيام صام عنه وليه))([19]). قالوا: ((صيام)) نكرة في سياق الشرط فتعم كل أنواع الصوم.

2-  عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم نذر، أفأصوم عنها؟ قال: ((أرأيت لو كان على أمك دين فقضيتيه أكان يؤدي ذلك عنها؟!)). قالت: نعم. قال: ((فصومي عن أمك))([20]).

وصلى الله وسلم على رسوله محمد وآله وصحبه،،،

               


 


([1]) ينظر: الإنصاف (3/333)، وكشاف القناع (2/333).

([2]) ينظر: الفتاوى الهندية (1/208)، الشرح الكبير للدردير (1/537)، القوانين الفقهية (ص84)، والإقناع (2/343)، شرح المحلى على المنهاج (2/68-69)، والمهذب (6/363)، والمغني (4/408).

([3]) أخرجه البخاري في الصوم، باب: متى يقضى قضاء رمضان؟ (1950)، ومسلم في الصيام (1146).

([4]) تفسير القرآن العظيم (1/281).

([5]) ينظر: المغني (4/409).

([6]) أخرجه الدارقطني في السنن (2/192)، والبيهقي في الكبرى (4/259). قال الدارقطني: "عبد الرحمن بن إبراهيم ضعيف". وضعفه الحافظ في التلخيص الحبير (2/206) .

([7]) المغني (4/410).

([8]) ينظر: المدونه الكبرى (1/219)، والمهذب (1/252)، وكشاف القناع (2/334).

([9]) أخرجه الدارقطني في السنن (2/197)، والبيهقي في الكبرى (4/253). قال الدارقطني: "إبراهيم وابن وجيه ضعيفان". وقال البيهقي: "وليس بشيء، إبراهيم وعمر متروكان".

([10]) أما أثر ابن عباس فأخرجه البيهقي (4/253)، قال النووي في المجموع (6/364):" إسناده صحيح". وأما أثر أبي هريرة فأخرجه الدارقطني في السنن (2/196)، وقال:" هذا إسناد صحيح موقوف".

([11]) ينظر: الهداية (2/354)، والدر المختار (2/423)، والشرح الممتع (6/451).

([12]) ينظر: بدائع الصنائع (2/103)، والقوانين الفقهية (ص110)، والمجموع (6/372)، ومغني المحتاج (1/438)، والمغني().

([13]) جزء من حديث أخرجه البخاري في الاعتصام بالكتاب والسنة، باب: الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم (7288)، ومسلم في الحج (1337).

([14]) ينظر: بدائع الصنائع (2/103)، والقوانين الفقهية (ص110)، والمجموع (6/372)، ومغني المحتاج (1/438)، والمغني().

([15]) أخرجه الترمذي في الصوم، باب: ما جاء في الكفارة (718)، وابن ماجه في الصيام، باب: من مات وعليه صيام رمضان قد فرط فيه (1757)، وابن عدي في الكامل (1/373). وفيه أشعث بن سوار متكلم فيه. قال الترمذي: "حديث ابن عمر لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه، والصحيح عن ابن عمر موقوف". وقال الذهبي في الميزان (1/429): "الصحيح موقوف". وضعفه الألباني في ضغيف الترمذي(113).

([16]) أخرجه أبو داود في الصوم، باب: من مات وعليه صوم (2401)، والطحاوي في المشكل (3/142)، وابن حزم في المحلى (7/7) وصحح إسناده. وصححه الألباني في صحيح أبي داود (2101).

([17]) أخرجه الطحاوي في المشكل (3/142)، وابن حزم في المحلى (7/7).

([18]) ينظر: بدائع الصنائع (2/103)، والقوانين الفقهية (ص110)، والمجموع (6/372)، ومغني المحتاج (1/438)، والمغني ()، والشرح الممتع (6/455-456).

([19]) أخرجه البخاري في الصوم، باب: من مات وعليه صوم (1952)، ومسلم في الصيام (1147).

([20]) أخرجه البخاري في الصوم، باب: من مات وعليه صوم (1953)، ومسلم في الصيام(1148) واللفظ له.

 

.