التوبة والاستغفار

.

  التوبة والاستغفار: الفصل الثاني: حكم التوبة وشروطها:                   الصفحة السابقة                 الصفحة التالية   

 

الفصل الثاني: حكم التوبة وشروطها:

ورد الأمر بالتوبة في القرآن الكريم والسنة المطهرة، فمما ورد في القرآن الكريم قول الله تعالى: {وَتُوبُواْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور:31].

قال السعدي: "أمر الله تعالى بالتوبة فقال: {وَتُوبُواْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}، ثم علّق على ذلك الفلاح، فلا سبيل إلى الفلاح إلا بالتوبة، وهي الرجوع مما يكرهه الله ظاهراً وباطناً إلى ما يحبه ظاهراً وباطناً، ودل هذا أن كل مؤمن محتاج إلى التوبة لأن الله خاطب المؤمنين جميعاً وفيه الحث على الإخلاص بالتوبة"[1].

وقال سبحانه وتعالى: {وَٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبّى رَحِيمٌ وَدُودٌ} [هود:90]، ويقول سبحانه: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ تُوبُواْ إِلَى ٱللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً} [التحريم:8]، وغيرها من الآيات.

أما الأحاديث الدالة على الأمر بالتوبة فمنها:

عن أبي بردة قال: سمعت الأغر المزني رضي الله عنه يحدث ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا أيها الناس توبوا إلى الله، فإني أتوب في اليوم مائة مرة))[2].

والآيات والحديث تضمنت الأمر بالتوبة، والأصل في الأمر الوجوب، ولا يصرف عنه إلى الندب إلا بقرينة، ولا قرينة هنا[3].

قال القرطبي: "واتفقت الأمة على أن التوبة فرض على المؤمنين"[4].

وقال أيضاً: "وهي فرض على الأعيان في كل الأحوال وكل الأزمان"[5].

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولا بد لكل عبد من توبة، وهي واجبة على الأولين والآخرين"[6].

أما النظر فإنه يؤكد أن الإنسان لا يخلو من معصية فلا يسلم من هذا النقص أحد من البشر، وإنما يتفاوت الخلق في المقادير، أما أصل ذلك فلا بد منه، وهو يجبر بالتوبة النصوح، وإلى هذا يشير النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ((كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون))[7]. وذلك لأن السهو والتقصير من طبع الإنسان.

ولما كانت الذنوب انحراف عن خط الاستقامة وإضرار بمصالح البشرية فإنها تهدد الحياة الإنسانية وتنغص عيشتها وتعرضها للخطر، وليس من العقلاء من يرضى بهذا المصير ولا يسعى إلى تغييره؛ لذا كانت التوبة واجبة أيضاً بالعقل والنظر الصحيح[8].

والتوبة واجبة من كل الذنوب صغيرها وكبيرها ما يعلم منها وما لا يعلم عمداً أو سهواً جداً أو هزلاً، وذلك لأمر الله عز وجل عباده بها، وهذا الأمر للعموم؛ لذا فهو يشمل جميع الذنوب ولم يخص التوبة من ذنب دون آخر.

يقول الرازي عند تفسيره لقوله تعالى: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَـئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ} [البقرة:160]: "التوبة لا تحصل إلا بترك ما لا ينبغي وبفعل كل ما ينبغي"[9].

وفي سنة الرسول صلى الله عليه وسلم كثير من الأحاديث التي تدل على إكثاره صلى الله عليه وسلم من التوبة، وفي فعله تعليم لأمته عليه الصلاة والسلام.

فعن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو بهذا الدعاء: ((رب اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري كله، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي خطاياي وعمدي وجهلي وهزلي، وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت، أنت المقدم وأنت المؤخر وأنت على كل شيء قدير))[10].

ووجه الدلالة من الحديث أن العبد يسأل الله التوبة والمغفرة في جميع أحواله في العمد والجهل والهزل وما فعله في السر والعلانية.

يقول النووي رحمه الله عند شرحه للحديث القدسي: ((أنا عند ظن عبدي بي))[11]: "التوبة من جميع المعاصي واجبة، وإنها واجبة على الفور، لا يجوز تأخيرها، سواء كانت المعصية صغيرة أو كبيرة، والتوبة من مهمات الإسلام وقواعده المتأكدة، ووجوبها عند أهل السنة بالشرع"[12].

ويعلل الغزالي لوجوب التوبة من جميع الذنوب فيقول: "وأما بيان وجوبها على الدوام وفي كل حال فهو أن كل بشر لا يخلو عن معصية بجوارحه، إذ لم يخل عنه الأنبياء، كما ورد في القرآن والأخبار من خطايا الأنبياء وتوبتهم وبكائهم على خطاياهم، فإن خلا في بعض الأحوال عن معصية الجوارح، فلا يخلو عن الهم بالذنوب بالقلب، فإن خلا في بعض الأحوال عن الهمّ فلا يخلو عن وسواس الشيطان بإيراد الخواطر المتفرقة[13]، فإن خلا عنه فلا يخلو من غفلة وقصور في العلم بالله وصفاته وأفعاله، وكل ذلك نقص وله أسباب، وترك أسبابه بالتشاغل بأضدادها رجوع عن طريق إلى ضده"[14].

أما شروط قبول التوبة:

فباب التوبة مفتوح على مصراعيه دائماً لكل من أراد الدخول فيه بعد أن استيقظ قلبه وقويت عزيمته على هجر المعاصي والذنوب.

قال سيد قطب: "باب التوبة دائماً مفتوح يدخل منه كل من استيقظ ضميره وأراد العودة والمآب، لا يصد عنه قاصد ولا يغلق في وجه لاجئ، أياً كان وأياً ما ارتكب من الآثام"[15].

وعلى ضوء ما ذكر في تعريف التوبة يمكن أن نقسم شروط قبول التوبة إلى قسمين:

الأول: شروط تتعلق بترك الذنب.

الثاني: شروط تتعلق بزمن قبول التوبة.

أولاً: الشروط التي تتعلق بترك الذنب:

الشرط الأول: الإسلام:

التوبة لا تصح إلا من مسلم، أما الكافر فإن توبته تعني دخوله الإسلام، قال القرطبي: "اعلم أن التوبة إما من الكفر وإما من الذنب، فتوبة الكافر مقبولة قطعاً، وتوبة العاصي مقبولة بالوعد الصادق"[16].

قال الله عز وجل: {وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيّئَـٰتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنّى تُبْتُ ٱلآنَ وَلاَ ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَـئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} [النساء:18].

والمراد من الآية نفي وقوع التوبة الصحيحة من المشركين، وأنه ليس من شأنها أن تكون لهم فقوله: {وَلاَ ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ} أي: لا توبة لأولئك ولا لهؤلاء[17].

وقال الله عز وجل: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذٰلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَـٰلاً بَعِيداً} [النساء:116].

قال سيد قطب: "ولا غفران لذنب الشرك متى مات صاحبه عليه.. بينما باب التوبة مفتوح لكل ذنب سواه عندما يشاء الله، والسبب في تعظيم جريمة الشرك وخروجها من دائرة المغفرة أن من يشرك بالله يخرج عن حدود الخير والصلاح تماماً، وتفسد كل فطرته بحيث لا تصلح أبداً"[18].

وقال سبحانه وتعالى: {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي ٱلدّينِ وَنُفَصّلُ ٱلآيَـٰتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [التوبة:11].

الشرط الثاني: الإخلاص:

إن التائب من المعاصي لا تصح توبته إلا بالإخلاص، فمن ترك ذنباً من الذنوب لغير الله تعالى، كالخوف من الفضيحة أو تعيير الناس له أو عَجَزَ عن اقترافه أو خاف من فوات مصحلة أو منفعة قد تضيع بالاستمرار على تلك المعصية. مثال ذلك من تاب عن أخذ الرشوة لا خوفاً من الله واللعن، ولكن لتوليه منصباً اجتماعياً لا يسمح له بأخذها، فإن توبته وتوبة من تقدم تكون مردودة باتفاق أهل العلم[19].

وقال الله تعالى: {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَـٰلِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبّهِ أَحَدَا} [الكهف:110].

يقول الشنقيطي في قوله: {وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبّهِ أَحَدَا}: "أعم من الرياء وغيره، أي: لا يعبد ربه رياء وسمعة ولا يصرف شيئاً من حقوق خالقه لأحد من خلقه لأن الله يقول: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} [النساء:48] إلى غير ذلك من الآيات، ويفهم من مفهوم مخالفة الآية الكريمة أن الذي يشرك أحداً بعبادة ربه، ولا يعمل صالحاً أنه لا يرجو لقاء ربه، والذي لا يرجو لقاء ربه لا خير له عند الله"[20].

والتوبة من الأعمال الصالحة التي يجب فيها الإخلاص حتى تقبل عند الله عز وجل كسائر العبادات والقربات. والآيات والأحاديث في ذلك معروفة مشهورة.

الشرط الثالث: الاعتراف بالذنب:

إن التوبة لا تكون إلا عند ذنب، وهذا يعني علم التائب ومعرفته لذنوبه، وجهل التائب بذنوبه ينافي الهدى؛ لذلك لا تصح توبته إلا بعد معرفته للذنب والاعتراف به وطلبه التخلص من ضرره وعواقبه الوخيمة.

والدليل من السنة قوله عليه الصلاة والسلام لعائشة رضي الله عنها في قصة الإفك: ((أما بعد، يا عائشة فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنب ثم تاب تاب الله عليه))[21].

قال ابن القيم: "إن الهداية التامة إلى الصراط المستقيم لا تكون مع الجهل بالذنوب، ولا مع الإصرار عليها، فإن الأول جهل ينافي معرفة الهدى، والثاني: غي ينافي قصده وإرادته، فلذلك لا تصح التوبة إلا من بعد معرفة الذنب والاعتراف به وطلب التخلص من سوء عاقبته أولاً وآخراً"[22].

الشرط الرابع: الإقلاع عن الذنب:

الإقلاع عن الذنب شرط أساسي للتوبة المقبولة، فالذي يرجع إلى الله وهو مقيم على الذنب لا يعد تائباً، وفي قوله تعالى {وتوبوا} إشارة إلى معنى الإقلاع عن المعصية؛ لأن النفس المتعلقة بالمعصية قلما تخلص في إقبالها على عمل الخير؛ لذلك كان على التائب أن يجاهد نفسه فيقتلع جذور المعاصي من قلبه، حتى تصبح نفسه قوية على الخير مقبلة عليه نافرة عن الشر متغلبة عليه بإذن الله[23].

الشرط الخامس: الندم:

الندم ركن من أركان التوبة لا تتم إلا به، وهو في اللغة: التحسر من تغير رأي في أمر فائت[24].

وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى قيمة الندم فقال: ((الندم توبة))[25].

ومعنى أنه توبة: أي عمدة أركان التوبة كقوله عليه السلام: ((الحج عرفة)).

الشرط السادس: العزم على التوبة:

العزم مترتب على الندم، وهو يعني الإصرار على عدم العود إلى الذنوب ثانية، والعزم في اللغة: عقد القلب على إمضاء الأمر[26].

ويقول عز وجل حاكياً عن أبينا آدم عليه السلام: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ ءادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} [طه:115]، أي: لم نجد له صبرا وعزيمة، حيث لم يحترز عن الغفلة من وساوس الشيطان، وهذه الآية تشير إلى أن المؤمن لا بد وأن تكون عنده عزيمة قوية وإرادة فعالة. والتائب أكثر الناس حاجة إلى العزيمة والإرادة القوية حتى يمكن من السيطرة على شهواته ورغباته، فيقف أمامها وقفة صمود وقوة، تجعله لا يعاود الذنوب ثانية، فتكون توبته صحيحة مقبولة[27].

الشرط السابع: رد المظالم إلى أهلها:

ومن شروط التوبة التي لا تتم إلا بها رد المظالم إلى أهلها، وهذه المظالم إما أن تتعلق بأمور مادية، أو بأمور غير مادية، فإن كانت المظالم مادية كاغتصاب المال فيجب على التائب أن يردها إلى أصحابها إن كانت موجودة، أو أن يتحللها منهم، وإن كانت المظالم غير مادية فيجب على التائب أن يطلب من المظلوم العفو عن ظلامته وأن يعمل على إرضائه، وفي هذا يقول عليه الصلاة والسلام: ((من كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلله منها، فإنه ليس ثم دينار ولا درهم، من قبل أن يؤخذ لأخيه من حسناته، فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات أخيه فطرحت عليه))[28].

قال ابن حجر: "فوجه الحديث عندي ـ والله أعلم ـ أنه يعطى خصماء المؤمن المسيء من أجر حسناته ما يوازي عقوبة سيئاته، فإن فنيت حسناته أخذ من خطايا خصومه فطرحت عليه، ثم يعذب إن لم يعف عنه، فإذا انتهت عقوبة تلك الخطايا أدخل الجنة بما كتب له من الخلود فيها بإيمانه ولا يعطى خصماؤه ما زاد من أجر حسناته على ما قابل من عقوبة سيئاته، يعني من المضاعفة؛ لأن ذلك من فضل الله يختص به من وافي يوم القيامة مؤمناً والله أعلم"[29].

ثانياً: الشروط التي تتعلق بزمن قبول التوبة وهي شرطان:

الشرط الأول: أن تقع التوبة قبل الغرغرة:

وقد أشارت إليه آيتان من سورة النساء فقال سبحانه: {إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوء بِجَهَـٰلَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَـئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً * وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيّئَـٰتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنّى تُبْتُ ٱلآنَ وَلاَ ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَـئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} [النساء:17-18].

قال القرطبي: "نفى سبحانه أن يدخل في حكم التائبين من حضره الموت وصار في حين اليأس كما كان فرعون حين صار في غمرة الماء والغرق فلم ينفعه ما أظهر من الإيمان؛ لأن التوبة في ذلك الوقت لا تنفع؛ لأنها حال زوال التكليف"[30].

وإلى هذا يشير الحديث الذي رواه عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر))[31].

يقول المباركفوري: "أي: ما لم تبلغ الروح إلى الحلقوم يعني ما لم يتيقن الموت فإن التوبة بعد التيقن بالموت لم يعتد بها"[32].

الشرط الثاني: أن تقع التوبة قبل طلوع الشمس من مغربها:

قال الله تعالى: {يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ ءايَـٰتِ رَبّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ ءامَنَتْ مِن قَبْلُ} [الأنعام:158].

يقول الألوسي: "والحق أن المراد بهذا البعض الذي لا ينفع الإيمان عنده طلوعُ الشمس من مغربها"[33].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت فرآها الناس آمنوا أجمعون)) فذلك حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً ثم قرأ الآية[34].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ومن تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه))[35].

وعن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله عز وجل يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها))[36].

ويعلل القرطبي نقلاً عن جماعة من العلماء عدم قبول الله إيمان من لم يؤمن وتوبة من لم يتب بعد طلوع الشمس فيقول: "وإنما لا ينفع نفساً إيمانها عند طلوعها من مغربها لأنه خلص إلى قلوبهم من الفزع ما تخمد معه كل شهوة من شهوات النفس، وتفتر كل قوة من قوى البدن، فيصير الناس كلهم ـ لإيقانهم بدنو القيامة ـ في حال من حضره الموت في انقطاع الدواعي إلى أنواع المعاصي عنهم وبطلانها من أبدانهم، فمن تاب في مثل هذه الحال لم تقبل توبته كما لا تقبل توبة من حضره الموت"[37].


[1] تيسير الكريم الرحمن (516).

[2] أخرجه الإمام مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار باب: استحباب الاستغفار والاستكثار منه (2702).

[3] انظر: نهاية السول في شرح منهاج الأصول (2/251)، وإرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول (86، 102).

[4] الجامع لأحكام القرآن (5/90).

[5] الجامع لأحكام القرآن (18/197) (12/238).

[6] مجموع فتاوى ابن تيمية (10/310).

[7] أخرجه الترمذي في كتاب صفة القيامة والرقائق والورع (2499)، من حديث أنس بن مالك وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث علي بن مسعدة عن قتادة. وأخرجه ابن ماجه في كتاب الزهد في باب ذكر التوبة (4251) وأخرجه الإمام أحمد برقم (12576) والحديث حسنه الألباني في صحيح الجامع برقم (4391).

[8] حادي الروح إلى أحكام التوبة النصوح (15) وانظر كتاب التوبة للدكتورة آمال نصير (24).

[9] تفسير الفخر الرازي (4/150).

[10] أخرجه البخاري في كتاب الدعوات باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم اللهم (6398).

[11] أخرجه البخاري في كتاب التوحيد باب: قول الله تعالى ويحذركم الله نفسه (7405) وأخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار باب الحث على ذكر الله (2675).

[12] شرح صحيح مسلم (17/59).

[13] إن الهم بالذنب أمر قد جاء الشرع برفع الحرج والإثم عنه إذا لم يعمل به الإنسان أو يتكلم فلا يؤاخذ عليه والله أعلم.

[14] إحياء علوم الدين بتصرف (4/10).

[15] في ظلال القرآن (1/258).

[16] المفهم بشرح مختصر صحيح مسلم (7/717).

[17] تفسير المنار (4/448) (4/450).

[18] في ظلال القرآن (2/760).

[19] انظر: فتح الباري (11/103).

[20] أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (4/199).

[21] الحديث أخرجه مسلم بتمامه في كتاب التوبة باب: في حديث الإفك وقبول توبة القاذف (2770).

[22] مدارج السالكين (1/179).

[23] انظر كتاب التوبة في ضوء القرآن الكريم ( ) للدكتورة آمال نصير.

[24] المفردات للراغب (507).

[25] أخرجه ابن ماجة في سننه في كتاب الزهد باب ذكر التوبة برقم (4252) من حديث عبد الله بن مسعود وأخرجه الإمام أحمد في مسنده برقم (3387). وصححه الألباني في صحيح الجامع (6802).

[26] المفردات (346).

[27] التوبة، للدكتورة آمال.

[28] أخرجه البخاري في كتاب المظالم والغصب باب: من كانت له مظلمة عند رجل فحللها له (2449) من حديث أبي هريرة.

[29] فتح الباري شرح صحيح البخاري (11/397).

[30] الجامع لأحكام القرآن (5/93).

[31] أخرجه الترمذي في كتاب الدعوات باب: في فضل التوبة والاستغفار وما ذكر من رحمة الله (3537)، وأخرجه ابن ماجة في سننه في كتاب الزهد باب: ذكر التوبة (4253). وحسنه الألباني في صحيح الجامع (1903).

[32] تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي (9/521).

[33] روح المعاني (8/63).

[34] أخرجه البخاري في كتاب تفسير القرآن باب: لا ينفع نفساً إيمانها (4636) واللفظ له، وأخرجه مسلم في كتاب الإيمان باب: بيان الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان (157).

[35] أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار باب: استحباب الاستغفار والاستكثار منه (2703).

[36] أخرجه مسلم في كتاب التوبة باب قبول التوبة من الذنوب وإن تكررت الذنوب (2759).

[37] تفسير القرطبي (7/149).

 

.