الملف العلمي لما يخص المسافر من أحكام الصيام

.

   ما يخص المسافر من أحكام الصيام:  الفصل الأول: بيان حكم الفطر والصوم للمسافر:       الصفحة السابقة           الصفحة التالية   

 

الفصل الأول:  بيان حكم الفطر والصوم للمسافر:

المسألة الأولى: مشروعية الفطر للمسافر.

يجوز للمسافر سفرا يباح فيه قصر الصلاة، وكان غيرَ عاص بسفره هذا أن يفطر في رمضان حالَ سفره، وعليه قضاء المدة التي أفطر فيها. ودليل ذلك: الكتاب، والسنّة، والإجماع.

أما دليل الكتاب:

 فقوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدةٌ مِنْ أَيامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْر} [البقرة:185].

قال الطبري رحمه الله: "يعني بقوله جل ثناؤه: {وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً}: من كان منكم مريضا، ممن كلِّف صومه، أو كان صحيحا غير مريض وكان على سفر {فَعِدةٌ مِنْ أَيامٍ أُخَرَ}. يقول: فعليه صوم عدة الأيام التي أفطرها في مرضه أو في سفره {فَعِدةٌ مِنْ أَيامٍ أُخَرَ}. يعني: من أيام أخر غير أيام مرضه أو سفره"([1]).

وقال ابن كثير رحمه الله: "معناه: ومن كان به مرض في بدنه يشق عليه الصيام معه أو يؤذيه، أو كان على سفر أي: في حال السفر فله أن يفطر، فإذا أفطر فعليه عدة ما أفطره في السفر من الأيام"([2]).

وأما دليل السنّة: فقد دل على ذلك السنة القولية والفعلية:

فعن أنس بن مالك رجلٍ من بني عبد الله بن كعب رضي الله عنه قال: أغارت علينا خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدته يتغدى فقال: ((ادن فكل))، فقلت: إني صائم، فقال: ((ادن أحدثك عن الصوم ـ أو الصيام ـ، إن الله تعالى وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة، وعن الحامل أو المرضع الصوم ـ أو الصيام ـ))([3]).

وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان، فصام حتى بلغ كراع الغميم فصام الناس، ثم دعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس إليه ثم شرب، فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام، فقال: ((أولئك العصاة، أولئك العصاة))([4]).

وأما الإجماع: فقال ابن عبد البر رحمه الله: "وأجمع الفقهاء على أن المسافر بالخيار، إن شاء صام وإن شاء أفطر"([5] وقال ابن قدامة رحمه الله: "وأجمع المسلمون على إباحة الفطر للمسافر بالجملة"([6] وقال ابن تيمية رحمه الله: "واتفق المسلمون على أن الفطر في السفر جائز"([7]).

فرع: إذا كان سفره سفر معصية، هل له الأخذ برخصة الفطر أم لا؟

اختلفوا في ذلك على قولين:

القول الأول: لا يجوز له الفطر في سفر المعصية، وبه قالت المالكية والشافعية والحنابلة([8]).

واستدلـوا بقوله تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنعام:145].

قالوا: وقد ذهب طائفة من المفسرين إلى أن الباغي هو الباغي على الإمام الذي يجوز قتاله، والعادي هو العادي على المسلمين وهم المحاربون قطاع الطريق، فإذا ثبت أن الميتة لا تحل لهم فسائر الرخص أولى، وقالوا: إذا اضطر العاصي بسفره أمرناه أن يتوب ويأكل ولا نبيح له إتلاف نفسه.

قال ابن تيمية رحمه الله: "وهذه حجج ضعيفة؛ أما الآية فأكثر المفسرين قالوا: المراد بالباغي الذي يبغي المحرم من الطعام مع قدرته على الحلال، والعادي الذي يتعدى القدر الذي يحتاج إليه، وهذا التفسير هو الصواب دون الأول؛ لأن الله أنزل هذا في السور المكية: الأنعام والنحل، وفي المدينة: ليبين ما يحل وما يحرم من الأكل، والضرورة لا تختص بسفر، ولو كانت في سفر فليس السفر المحرم مختصا بقطع الطريق والخروج على إمام، ولم يكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم إمام يخرج عليه، ولا من شرط الخارج أن يكون مسافرا، والبغاة الذين أمر الله بقتالهم في القرآن لا يشترط فيهم أن يكونوا مسافرين ولا كان الذين نزلت الآية فيهم أولا مسافرين، بل كانوا من أهل العوالي مقيمين واقتتلوا بالنعال والجريد، فكيف يجوز أن تفسر الآية بما لا يختص بالسفر، وليس فيها كل سفر محرم؟ فالمذكور في الآية لو كان كما قيل لم يكن مطابقا للسفر المحرم، فإنه قد يكون بلا سفر، وقد يكون  السفر المحرم بدونه"([9]).

القول الثاني: أنه يجوز له الفطر في أي سفر كان، وهو قول الحنفية، واختاره ابن حزم وابن تيمية([10]).

واستدلوا: بعموم قوله تعالى: {وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة:185].

قالوا: فعم تعالى الأسفار كلها، ولم يخص سفرا من سفر، وما كان ربك نسيا.

قال ابن تيمية رحمه الله: "والحجة مع من جعل القصر والفطر مشروعا في جنس السفر، ولم يخص سفرا من سفر وهذا القول هو الصحيح؛ فإن الكتاب والسنة قد أطلقا السفر، قال تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة:184]، كما قال في آية التيمم: {وَإِنْ كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ} [النساء:43] الآية، وكما تقدمت النصوص الدالة على أن المسافر يصلي ركعتين، ولم ينقل قط أحد عن النبي أنه خص سفرا من سفر مع علمه بأن السفر يكون حراما ومباحا، ولو كان هذا مما يختص بنوع من السفر لكان بيان هذا من الواجبات، ولو بيَّن ذلك لنقلته الأمة، وما علمت عن الصحابة في ذلك شيئا، وقد علق الله ورسوله أحكاما بالسفر كقوله تعالى في التيمم: {وَإِنْ كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ}، وقوله في الصوم: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ}، وقوله: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى ٱلأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلوٰةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} [النساء:101]، وقول النبي: ((يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن))، وقوله: ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا مع زوج أو ذي محرم))، وقوله: ((إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة))، ولم يذكر قط في شيء من نصوص الكتاب والسنة تقييد السفر بنوع دون نوع، فكيف يجوز أن يكون الحكم معلقا بأحد نوعي السفر ولا يبين الله ورسوله ذلك؟!"([11]).

فرع: إذا سافر من أجل الفطر، هل يجوز له الأخذ برخصة الفطر أم لا؟

قال ابن القيم رحمه الله: "وإن كانت الحيلة فعلا تفضي إلى غرض له، مثل: أن يسافر في الصيف ليتأخَّر عنه الصوم إلى الشتاء لم يحصل غرضه، بل يجب عليه الصوم في هذا السفر"([12]).

المسألة الثانية: حكم من صام في رمضان وهو متلبس بالسفر؟

اختلف أهل العلم رحمهم الله في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:

القول الأول: لا يجوز له الصوم بنية رمضان، ولو صام وجب عليه القضاء في الحضر. حكي ذلك عن عمر وأبي هريرة وعبد الرحمن بن عوف وابن عمر، والزهري وأبي سلمة وإبراهيم النخعي، وغيرهم([13])، وبه قال ابن حزم([14]).

قال ابن عبد البر رحمه الله: "وهو قول شاذ، هجره الفقهاء كلهم"([15]).

واستدلوا بما يلي:

1- قوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَر فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر} [البقرة:184].

قالوا: ظاهره فعليه عدة، أو فالواجب عدة.

ورُدَّ عليهم بأنه استدلالٌ باطلٌ قطعا، فإن الذي أنزلت عليه هذه الآية ـ وهو أعلم الخلق بمعناها والمراد منها ـ قد صام بعد نزولها بأعوام في السفر, ومحال أن يكون المراد منها ما ذكرتم, ولا يعتقده مسلم, فعُلم أن المراد بها غير ما ذكرتم، فإما أن يكون المعنى: فأفطرَ فعدةٌ من أيام أخر, كما قال الأكثرون, أو يكون المعنى: فعدة من أيام أخر تجزي عنه, وتقبل منه, ونحو ذلك. فما الذي أوجب تعيينَ التقدير بأن عليه عدة من أيام أخر, أو ففرضُه, ونحو ذلك؟ وبالجملة: ففِعلُ من أُنزلت عليه تفسيرُها, وتبيينُ المراد منها, وبالله التوفيق. وهذا موضع يغلط فيه كثير من قاصري العلم, يحتجون بعموم نص على حكم, ويغفلون عن عمل صاحب الشريعة وعمل أصحابه الذي يبين مراده, ومن تدبَّر هذا علم به مراد النصوص, وفهم معانيها([16]).

2-  عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان، فصام حتى بلغ كراع الغميم فصام الناس، ثم دعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس إليه ثم شرب، فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام، فقال: ((أولئك العصاة، أولئك العصاة))([17]).

قال ابن القيم رحمه الله: "وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((أولئك العصاة)) فذاك في واقعة معينة, أراد منهم الفطر فخالفه بعضهم، فقال هذا"([18]).

وقال ابن حجر رحمه الله: "ولا حجة في شيء من ذلك؛ لأن مسلما أخرج من حديث أبي سعيد أنه صلى الله عليه وسلم صام بعد هذه القصة في السفر، ولفظه: سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ونحن صيام، فنزلنا منزلا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنكم قد دنوتم من عدوكم، والفطر أقوى لكم، فأفطروا))، فكانت رخصة، فمنَّا من صام، ومنا من أفطر، فنزلنا منزلا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنكم مصبحو عدوكم فالفطر أقوى لكم فأفطروا))، فكانت عزيمة فافطرنا، ثم لقد رأيتنا نصوم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك في السفر. وهذا الحديث نص في المسألة، ومنه يؤخذ الجواب عن نسبته صلى الله عليه وسلم الصائمين إلى العصيان لأنه عزم عليهم فخالفوا، وهو شاهد لما قلناه من أن الفطر أفضل لمن شق عليه الصوم، ويتأكد ذلك إذا كان يحتاج إلى الفطر للتقوي به على لقاء العدو"([19]).

3- عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فرأى زحاما ورجلا قد ظلل عليه، فقال: ((ما هذا؟)) فقالوا: صائم، فقال: ((ليس من البر الصوم في السفر))([20]).

قالوا: ومقابلة البر الإثم، وإذا كان آثما بصومه لم يجزئه.

ورد عليهم بأنه ليس في هذا الحديث ما ينافي إذنه لهم في الصيام في السفر، فإنه نفى أن يكون من البر ولم ينف أن يكون جائزا مباحا، والفرض يسقط بفعل النوع الجائز المباح إذا أتى المأمور به، والمراد به كونه في السفر ليس من البر كما لو صام وعطش نفسه بأكل المالح، أو صام وأضحى للشمس، فإنه يقال: ليس من البر الصيام في الشمس. ولهذا قال سفيان بن عيينة: معناه: ليس من صام بأبر ممن لم يصم. ففي هذا دليل على أن الفطر أفضل، فإنه آخر الأمرين من النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه صام أولا في السفر ثم أفطر فيه، ومن كان يظن أن الصوم في السفر نقص في الدين فهذا مبتدع ضال"([21]).

ورد عليهم أيضاً بأن هذا خرج على شخص معين, رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ظلل عليه, وجهده الصوم, فقال هذا القول, أي: ليس البر أن يجهد الإنسان نفسه حتى يبلغ بها هذا المبلغ, وقد فسح الله له في الفطر. فالأخذ إنما يكون بعموم اللفظ الذي يدل سياق الكلام على إرادته، فليس من البر هذا النوع من الصيام المشار إليه في السفر. وأيضا فقوله: ((ليس من البر)) أي: ليس هو أبر البر؛ لأنه قد يكون الإفطار أبر منه إذا كان في حج أو جهاد يتقوَّى عليه، وقد يكون الفطر في السفر المباح برًّا, لأن الله تعالى أباحه ورخص فيه, وهو سبحانه يحب أن يؤخذ برخصه, وما يحبه الله فهو بر, فلم ينحصر البر في الصيام في السفر، وتكون "من" على هذا زائدةٌ, ويكون كقوله تعالى: {لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ...} [البقرة:177] الآية، وكقولك: ما جاءني من أحد, وفي هذا نظرٌ. وأحسن منه أن يقال: إنها ليست بزائدة, بل هي على حالها، والمعنى: إن الصوم في السفر ليس من البر الذي تظنونه وتتنافسون عليه، فإنهم ظنوا أن الصوم هو الذي يحبه الله ولا يحب سواه, وأنه وحده البر الذي لا أبر منه, فأخبرهم أن الصوم في السفر ليس من هذا النوع الذي تظنونه, فإنه قد يكون الفطر أحب إلى الله منه, فيكون هو البر([22]).

4- عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((صائم رمضان في السفر كالمفطر في الحضر))([23]).

قال ابن حجر رحمه الله: "وعلى تقدير صحته فهو محمول على ما تقدم أولاً حيث يكون الفطر أولى من الصوم. والله أعلم"([24]).

5- واحتجوا: بأن الفطر كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال ابن القيم رحمه الله: "وأما كون الفطر كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم فالمراد به واقعةٌ معينةٌ, وهي غزاة الفتح, فإنه صام حتى بلغ الكديد, ثم أفطر, فكان فطره آخر أمريه, لا أنه حرَّم الصوم, ونظير هذا قول جابر: كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مسته النار، إنما هو في واقعة معينة دعي لطعام فأكل منه, ثم توضأ وقام إلى الصلاة, ثم أكل منه وصلى ولم يتوضأ، فكان آخر الأمرين منه ترك الوضوء مما مست النار. وجابر هو الذي روى هذا وهذا, فاختصره بعض الرواة, واقتصر منه على آخره، ولم يذكر جابر لفظا عن النبي صلى الله عليه وسلم: إن هذا آخر الأمرين مني, وكذلك قصة الصيام, وإنما حكوا ما شاهده أنه فعل هذا وهذا, وآخرهما منه الفطر وترك الوضوء, وإعطاء الأدلة حقها يزيل الاشتباه والاختلاف عنها"([25]).

القول الثاني: صحة الصيام، ولا قضاء عليه، وهو مذهب جمهور الصحابة، والحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة([26]).

واستدلوا بما يلي:

1- عن حمزة بن عمرو الأسلمي رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله، أجد بي قوة على الصيام في السفر فهل علي جناح؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((هي رخصة من الله، فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه))([27]).

2- عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره في يوم حار، حتى يضع الرجل يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا ما كان من النبي صلى الله عليه وسلم وابن رواحة([28]).

3- عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان فمنا الصائم ومنا المفطر، فلا يجد الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم، يرون أن من وجد قوة فصام فإن ذلك حسن، ويرون أن من وجد ضعفا فأفطر فإن ذلك حسن([29]).

القول الثالث: من سافر بعد دخول رمضان فعليه صومه كله. حكي ذلك عن علي بن أبي طالب وابن عباس، وأبي مخلد وعبيدة السلماني وأبي مجلز وسويد بن غفلة([30]).

ومما استدلوا به:

1-  قوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْه} [البقرة:185]. قالوا: وهذا قد شهده، ولأنه لما استهل في الحضر لزمه صوم الإقامة، وهو صوم الشهر حتما، فهو بالسفر يريد إسقاطه عن نفسه فلا يملك ذلك.

قال ابن تيمية رحمه الله: "وإذا صام على هذا الوجه معتقدا وجوب الصوم عليه وتحريم الفطر فقد أمر طائفة من السلف والخلف بالإعادة"([31]).

والراجح في هذه المسألة قول الجمهور، القاضي بجواز الصوم وجواز الفطر في رمضان لمن كان مسافراً، وأن من صام فصيامه صحيح.

قال الطبري رحمه الله: "وهذا القول عندنا أولى بالصواب؛ لإجماع الجميع على أن مريضا لو صام شهر رمضان ـ وهو ممن له الإفطار لمرضه ـ أن صومه ذلك مجزئ عنه، ولا قضاء عليه إذا برأ من مرضه بعدة من أيام أخر، فكان معلوما بذلك أن حكم المسافر حكمه في أن لا قضاء عليه إن صامه في سفره؛ لأن الذي جعل للمسافر من الإفطار وأمر به من قضاء عدة من أيام أخر مثل الذي جعل من ذلك للمريض وأمر به من القضاء. ثم في دلالة الآية كفاية مغنية عن استشهاد شاهد على صحة ذلك بغيرها، وذلك قول الله تعالى ذكره: {يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ} [البقرة:185]، ولا عسر أعظم من أن يلزم من صامه في سفره عدة من أيام أخر، وقد تكلَّف أداء فرضه في أثقل الحالين عليه حتى قضاه وأداه. فإن ظن ذو غباوة أن الذي صامه لم يكن فرضه الواجب، فإن في قول الله تعالى ذكره: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصّيَامُ} [البقرة:183]، {شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِى أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ} [البقرة:185] ما ينبئ أن المكتوب صومه من الشهور على كل مؤمن هو شهر رمضان مسافرا كان أو مقيما؛ لعموم الله تعالى ذكره المؤمنين بذلك بقوله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصّيَامُ}، {شَهْرُ رَمَضَانَ}، وأن قوله: {وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} معناه: ومن كان مريضا أو على سفر فأفطر برخصة الله فعليه صوم عدة أيام أخر مكان الأيام التي أفطر في سفره أو مرضه. ثم في تظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله إذ سئل عن الصوم في السفر: ((إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر)) الكفاية الكافية عن الاستدلال على صحة ما قلنا في ذلك بغيره"([32]).

وقال ابن تيمية رحمه الله: "والصحيح الذي عليه الجمهور جواز الأمرين"([33]).

فرع: إذا علم أن الصوم في السفر مباح، فهل الصوم لمن قوي عليه ولم يُلحِق به ضررًا أفضل أم الفطر؟

اختلف العلماء رحمهم الله في ذلك إلى أقوال:

القول الأول: إن الصوم أفضل لمن قوي عليه ولم يُلحق به ضررا، وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية([34]).

واستدلـوا بما يلي:

1- عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره في يوم حار، حتى يضع الرجل يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا ما كان من النبي صلى الله عليه وسلم وابن رواحة([35]).

2- عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان فمنا الصائم ومنا المفطر، فلا يجد الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم، يرون أن من وجد قوة فصام فإن ذلك حسن، ويرون أن من وجد ضعفا فأفطر فإن ذلك حسن([36]).

القول الثاني: أن الفطر أفضل عملا بالرخصة، وبه قالت الحنابلة([37]).

واستدلـوا بما يلي:

1- عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فرأى زحاما ورجلا قد ظلِّل عليه، فقال: ((ما هذا؟)) فقالوا: صائم، فقال: ((ليس من البر الصوم في السفر))([38]).

2- عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان، فصام حتى بلغ كراع الغميم فصام الناس، ثم دعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس إليه ثم شرب، فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام، فقال: ((أولئك العصاة، أولئك العصاة))([39]).

3- عن حمزة بن عمرو الأسلمي رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله، أجد بي قوة على الصيام في السفر فهل علي جناح؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((هي رخصة من الله فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه))([40]).

4- عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته))([41]).

القول الثالث: أفضلهما أيسرُهما، وهو قول عمر بن عبد العزيز ومجاهد وقتادة، واختاره ابن المنذر([42]).

واستدلوا بما يلي:

قوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة:185].

قالوا: فإن كان الفطر أيسرَ عليه فهو أفضل في حقه، وإن كان الصيام أيسرَ كمن يسهل عليه حينئذ ويشقّ عليه قضاؤه بعد ذلك فالصوم في حقه أفضل.

قال ابن تيمية رحمه الله: "قد ثبت في الصحيح عن النبي أن حمزة بن عمرو سأله فقال: إنني رجل أكثر الصوم أفأصوم في السفر؟ فقال: ((إن أفطرت فحسن، وإن صمت فلا بأس)). فإذا فعل الرجل في السفر أيسر الأمرين عليه من تعجيل الصوم أو تأخيره فقد أحسن، فإن الله يريد بنا اليسر ولا يريد بنا العسر، أما إذا كان الصوم في السفر أشقَّ عليه من تأخيره فالتأخير أفضل، فإن في المسند عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يكره أن تؤتى معصيته))"([43]).

وقال ابن حجر رحمه الله: "فالحاصل أن الصوم لمن قوي عليه أفضل من الفطر، والفطر لمن شق عليه الصوم أو أعرض عن قبول الرخصة أفضل من الصوم، وأن من لم يتحقق المشقة يخيَّ‍ر بين الصوم والفطر"([44]).

القول الرابع: أنه مخيَّر مطلقاً([45]).

والراجح في هذه المسألة القول الثالث القاضي بالتفصيل.

قال ابن حجر رحمه الله: "والذي يترجح قول الجمهور، ولكن قد يكون الفطر أفضل لمن اشتد عليه الصوم وتضرر به، وكذلك من ظنَّ به الإعراض عن قبول الرخصة، كما تقدم في المسح على الخفين وسيأتي نظيره في تعجيل الإفطار، وقد روى أحمد من طريق أبي طعمة قال: قال رجل لابن عمر: إني أقوى على الصوم في السفر، فقال له ابن عمر: (من لم يقبل رخصة الله كان عليه من الإثم مثل جبال عرفة)، وهذا محمول على من رغب عن الرخصة لقوله صلى الله عليه وسلم: ((من رغب عن سنتي فليس مني)). وكذلك من خاف على نفسه العجب أو الرياء إذا صام في السفر، فقد يكون الفطر أفضل له، وقد أشار إلى ذلك ابن عمر فروى الطبري من طريق مجاهد قال: (إذا سافرت فلا تصم؛ فإنك إن تصم قال أصحابك: اكفوا الصائم، ارفعوا للصائم، وقاموا بأمرك، وقالوا: فلان صائم، فلا تزال كذلك حتى يذهب أجرك)"([46]).

وقال ابن عثيمين رحمه الله: "والصواب: أن المسافر له ثلاث حالات:

الأولى: أن لا يكون لصومه مزية على فطره، ولا لفطره مزية على صومه، ففي هذه الحالة يكون الصوم أفضل له للأدلة الآتية:

أولاً: أن هذا فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، قال أبو الدرداء رضي الله عنه: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان في يوم شديد الحر ،حتى إن أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر، ولا فينا صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة.

ثانياً: أنه أسرع في إبراء الذمة؛ لأن القضاء يتأخر، والأداء وهو صيام رمضان يقدَّم.

ثالثاً: أنه أسهل على المكلف غالباً؛ لأن الصوم والفطر مع الناس أسهل من أن يستأنف الصوم بعد كما هو مجرب ومعروف.

رابعاً: أنه يدرك الزمن الفاضل، وهو رمضان، فإن رمضان أفضل من غيره؛ لأنه محل الوجوب.

فلهذه الأدلة يترجح ما ذهب إليه الشافعي رحمه الله أن الصوم أفضل في حق من يكون الصوم والفطر عنده سواء.

الحالة الثانية: أن يكون الفطر أرفق به، فهنا نقول: إن الفطر أفضل، وإذا شق عليه بعض الشيء صار الصوم في حقه مكروهاً؛ لأن ارتكاب المشقة مع وجود الرخصة يشعر بالعدول عن رخصة الله عز وجل.

الحالة الثالثة: أن يشق عليه مشقة شديدة غير محتملة، فهنا يكون الصوم في حقه حراماً.

والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما شكى إليه الناس أنه قد شق عليهم الصيام، وينتظرون ما سيفعل الرسول صلى الله عليه وسلم دعا بإناء به ماء بعد العصر، وهو على بعير فأخذه وشربه، والناس ينظرون إليه، ثم قيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام، فقال: ((أولئك العصاة، أولئك العصاة))، فوصفهم بالعصاة، فهذا ما يظهر لنا من الأدلة في صوم المسافر"([47]).


 


([1]) جامع البيان (2/137).

([2]) تفسير القرآن العظيم (1/222).

([3]) أخرجه أحمد (4/347)، والترمذي في الصوم، باب: ما جاء في الرخصة في الإفطار للحبلى والمرضع (715)، والنسائي في الصيام (2274)، وابن ماجه في الصيام، باب: ما جاء في الإفطار للحامل والمرضع (1667). قال الترمذي :"حديث أنس بن مالك الكعبي حديث حسن، ولا نعرف لأنس بن مالك هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم غير هذا الحديث الواحد. والعمل على هذا عند أهل العلم". وأورده الألباني في صحيح الترمذي (575).

([4]) أخرجه مسلم في الصيام (1114).

([5]) التمهيد (9/67).

([6]) المغني (4/345).

([7]) مجموع الفتاوى (26/93).

([8]) ينظر: حاشية العدوي (1/569)، والمجموع (6/260)، وكشاف القناع (1/505).

([9]) مجموع الفتاوى (24/109) وما بعدها.

([10]) ينظر: تبين الحقائق (1/216)، والمحلى (6/243)، ومجموع الفتاوى (24/109).

([11]) ينظر: مجموع الفتاوى (24/109-110).

([12]) إغاثة اللهفان (1/372).

([13]) ينظر: فتح الباري (4/183).

([14]) المحلى (6/243).

([15]) التمهيد (22/49).

([16]) تهذيب السنن (3/287-288).      

([17]) أخرجه مسلم في الصيام (1114).

([18]) تهذيب السنن (3/287).

([19]) فتح الباري (4/184).

([20]) أخرجه البخاري في الصوم، باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم لمن ظلل عليه واشتد الحر... (1946) واللفظ له، ومسلم في الصيام (1115). 

([21]) مجموع الفتاوى (22/287).

([22]) تهذيب السنن (3/286).

([23]) أخرجه ابن ماجه في الصيام، باب: ما جاء في الإفطار في السفر (1666)، والضياء في المختارة (912) من طريق أسامه بن زيد عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه عبد الرحمن بن عوف. قال البيهقي في الكبرى (4/244): "وإسناده ضعيف"، وقال البوصيري: "هذا إسناد ضعيف ومنقطع، رواه أسامة بن زيد ـ هو ابن أسامة ـ ضعيف، وأبو سلمة بن عبد الرحمن لم يسمع من أبيه شيئا. قاله ابن معين والبخاري". وضعفه ابن جحر في الفتح (4/184)، وقال الألباني في الضعيفة (498) "منكر". وروي موقوفا عند النسائي في الصيام، باب: ذكر قوله: الصائم في السفر كالمفطر في الحضر (2284)، والبيهقي في الكبرى (4/244). قال ابن أبي حاتم في العلل (1/239): "قال أبو زرعة: الصحيح عن الزهري عن أبي سلمة عن أبيه، موقوف". وقال الدارقطني في العلل (4/282): "والصحيح عن أبي سلمة عن أبيه موقوفا". وقال ابن حجر في الفتح(4/148): "ومع وقفه فهو منقطع؛ لأن أبا سلمة لم يسمع من أبيه".

([24]) فتح الباري (4/184).

([25]) تهذيب السنن (3/286).

([26]) ينظر: تبيين الحقائق (1/216)، والدر المختار (1/527)، والقوانين الفقهية (ص59)، وحاشية البيجوري على ابن قاسم (1/210)، والمغني (4/406)، والروض المربع (1/89).

([27]) أخرجه البخاري في الصوم، باب: الصوم في السفر والإفطار (1943)، ومسلم في الصوم (1121) واللفظ له.

([28]) أخرجه البخاري في الصوم، باب: إذا صام أياما من رمضان ثم سافر (1945)، ومسلم في الصيام (1122).

([29]) أخرجه مسلم في الصيام (1116).

([30]) ينظر: بدائع الصنائع (2/94-95)، والمجموع (6/261)، المغني (3/117).

([31]) مجموع الفتاوى (22/287).

([32]) جامع البيان (2/160-161).

([33]) مجموع الفتاوى (22/3336).        

([34]) ينظر: فتح القدير (2/273)، والدر المختار (2/117)، ومراقي الفلاح (ص375)، والمدونة الكبرى (1/180)، والقوانين الفقهية (81)، والمجموع (6/265- 266)، وحاشية القليوبي على شرح المحلي على المنهاج (2/64)، والوجيز (1/103).

([35]) أخرجه البخاري في الصوم، باب: إذا صام أياما من رمضان ثم سافر (1945)، ومسلم في الصيام (1122).

([36]) أخرجه مسلم في الصيام (1116).

([37]) ينظر: الإنصاف (3/287)، كشاف القناع (2/311)، والمغني مع الشرح الكبير (3/18).

([38]) أخرجه البخاري في الصوم، باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم لمن ظلل عليه واشتد الحر... (1946) واللفظ له، ومسلم في الصيام (1115).

([39]) أخرجه مسلم في الصيام (1114).

([40]) أخرجه البخاري في الصوم، باب: الصوم في السفر والإفطار (1943)، ومسلم في الصوم (1121) واللفظ له.

([41]) أخرجه أحمد (1/108) واللفظ له، والروياني في مسنده (1433)، والبيهقي في الكبرى (3/140)، وصححه ابن خريمة (950)، وابن حبان (2742)، والألباني في الإرواء (564) . وله شاهد من حديث ابن عباس رضي الله عنهما عند ابن حبان (354)، وآخر من حديث عائشة رضي الله عنها عند ابن حبان في الثقات (2/200)، والطبراني في الأوسط (8032)، وابن عدي في الكامل (5/1718) بسند ضعيف.

([42]) ينظر: فتح الباري (4/183).

([43])مجموع الفتاوى (22/287).

([44]) فتح الباري (4/183).

([45]) ينظر: فتح الباري (4/183).

([46]) فتح الباري (4/183).

([47]) الشرح الممتع (6/355-356).

 

 

.