الملف العلمي للبحوث المنبرية لفقه وآداب وأحكام الصيام

.

  شروط الفطر بالمفطرات: أولاً: الذكر وعدم النسيان:                                                                            قائمة محتويات هذا الملف  

 

أولاً: الذكر وعدم النسيان:

أ- تعريف النسيان:

هو الغفلة عن معلوم في غير حالة السَّنة، فلا ينافي الوجوب، أي نفس الوجوب، ولا وجوب الأداء([1]).

وقيل: هو عدم استحضار الشيء وقت حاجته([2]).

ب ـ الأدلة:

1. قال تعالى: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة:286].

قال ابن جرير: "قيل إن النسيان على وجهين:

أحدهما: على وجه التضييع من العبد والتفريط، والآخر: على وجه عجز الناسي على حفظ ما استحفظ ووكِّل به، وضعف عقله عن احتماله.

فأما الذي يكون من العبد على وجه التضييع منه، والتفريط، فهو تركٌ منه لما أمر بفعله، فذلك الذي يرغب العبد إلى الله عز وجل في تركه مؤاخذته به.

وأما الذي العبد به غير مؤاخذ، لعجز بنيته عن حفظه، وقلة احتمال عقله ما وكِّل بمراعاته، فإن ذلك من العبد غير معصية، وهو به غير آثم"([3]).

وقال أبو بكر الجصاص: "النسيان الذي هو ضد الذكر، فإن حكمه مرفوع فيما بين العبد وبين الله تعالى في استحقاق العقاب، والتكليف في مثله ساقط عنه، والمؤاخذة به في الآخرة غير جائزة"([4]).

وقال القرطبي: "المعنى: أعف عن إثم ما يقع منّا على هذين الوجهين أو أحدهما"([5]).

2. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من نسي وهو صائم، فأكل أو شرب، فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه)) ([6]).

قال المهلب: "معنى قوله: ((فإن الله أطعمه وسقاه))، إثبات عذر الناسي، وعلة لسقوط الكفارة عنه، وأن النسيان لا يرفع نية الصوم التي بيّتها، فأَمَره عليه السلام بإتمام العمل على النية، وأسقط عنه الكفارة ؛ لأنه ليس كالمنتهك العامد"([7]).

وقال ابن تيمية: "أمره بإتمام الصوم تخصيصاً له بهذا الحكم بقوله: ((من أكل أو شرب ناسياً)) فعلم أن هذا إتمام لصوم صحيح" ([8]).

ويقول أيضاً: "فأضاف إطعامه وإسقاءه إلى الله؛ لأنه لم يتعمد ذلك ولم يقصده، وما يكون مضافاً إلى الله لا يُنْهى عنه العبد، فإنما يُنْهى عن فعله، والأفعال التي ليست اختيارية لا تدخل تحت التكليف، ففعل الناسي كفعل النائم والمجنون والصغير؛ ونحو ذلك"([9]).

وقال ابن حجر: "وفي الحديث لطف الله بعباده والتيسير عليهم ورفع المشقة عليهم والحرج عنهم"([10]).

وقال الشيخ ابن عثيمين: "فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بإتمامه دليلٌ على صحته، ونِسْبةُ إطعام الناسي وسقيه إلى الله ؛ دليل على عدم المؤاخذة عليه"([11]).

حكم من أكل أو شرب ناسياً:

اختلف العلماء في هذه المسألة إلى قولين:

القول الأول: صومه صحيح، ولا قضاء عليه، وبه قال الجمهور، وأهل الظاهر([12])، وهو قول علي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت، وأبو هريرة، وابن عمر وعطاء وطاووس، وابن أبي ذئب، والأوزاعي والثوري، وإسحاق، ومجاهد وقتادة، والحسن([13]).

القول الثاني: صومه غير صحيح، وعليه القضاء، وبه قال الإمام مالك([14]).

والراجح: قول الجمهور.

لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من نسي وهو صائم، فأكل أو شرب، فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه))([15]).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن الصائم إذا أكل أو شرب أو جامع ناسياً أو مخطئاً فلا قضاء عليه وهو قول طائفة من السلف والخلف"([16]).

حكم من جامع ناسياً:

اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:

القول الأول: ليس عليه قضاء ولا كفارة، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، وأهل الظاهر ورواية عن أحمد، وهو قول الحسن، ومجاهد، والثوري([17]).

القول الثاني: عليه القضاء والكفارة، وهو المشهور عن الإمام أحمد، ورواية عن مالك([18]).

القول الثالث: عليه القضاء دون الكفارة، وهو المشهور عن الإمام مالك، ورواية عن الإمام أحمد([19]).

والراجح: قول الجمهور أنه ليس عليه قضاءٌ ولا كفارة.

لحديث أبي هريرة المتقدم.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والأول أظهر (أي لا قضاء عليه ولا كفارة) فإنه قد ثبت بدلالة الكتاب والسنة أن من فعل محظوراً أو ناسياً لم يؤاخذه الله بذلك، وحينئذ يكون بمنزلة من لم يفعله، فلا يكون عليه إثم، ومن لا إثم عليه لم يكن عاصياً، ولا مرتكباً لما نهي عنه، وحينئذٍ فيكون قد فعل ما أمر به، ولم يفعل ما نهى عنه، ومثل هذا لا يعطل عبادته، إنما يبطل العبادات إذا لم يفعل ما أمر به أو فعل ما حظر عليه"([20]).


 

([1])  التعريفات للجرجاني مادة "النسيان" (ص309).

([2])  البحر الرائق لابن نجيم (2/473).

([3])  جامع البيان (6/133) بتصرف يسير.

([4])  أحكام القرآن (2/278).

([5])  الجامع لأحكام القرآن (3/392).

([6])  أخرجه البخاري في كتاب الصوم، باب الصائم إذا أكل أو شرب ناسياً رقم (1933)، ومسلم في كتاب الصيام باب أكل الناسي وشربه وجماعه لا يفطر رقم (1155)، واللفظ له.

([7])  شرح صحيح البخاري لابن بطال (4/61).

([8])  كتاب الصيام من شرح العمدة (1/457).

([9])  مجموع الفتاوى (20/571).

([10])  فتح الباري (4/186).

([11])  مجالس شهر رمضان (ص172).

([12])  انظر: البحر الرائق (2/472)، والحاوي (3/284)، والمغني (4/367)، والمحلى (6/327) .

([13])  انظر: المحلى (6/329)، والمقنع والشرح الكبير والإنصاف (7/423-424).

([14])  انظر: التفريع (1/305)، البيان والتحصيل (2/351).

([15])  تقدم تخريجه.

([16])  مجموع الفتاوى (25/228).

([17])  انظر: البحر الرائق (2/472)، والحاوي (3/284)، والإنصاف (3/311)، والمحلى (6/327).

([18])  انظر: المغني (4/374)، والتفريع (1/305).

([19])  انظر: التفريع (1/305)، والقوانين الفقهيـة لابن الجـزي (ص121)، والمقنـع والشرح الكبير والإنصاف (7/443).

([20])  مجموع الفتاوى (25/226، 228)، وانظر: (20/573)، والشرح الممتع (6/416).

 
.