موسوعة البحـوث المنــبرية

.

  الشرك: ثامناً: سدّ الذرائع المفضية إلى الشرك:                            الصفحة السابقة                     (الصفحة الرئيسة)

 

ثامنا: سدّ الذرائع المفضية إلى الشرك:

جاءت الشريعة الإسلامية الغراء بالتدابير الواقية من الوقوع في الشرك، فمن ذلك:

أ- التحذير من الوقوع في الشرك فيما يتعلق بذات الله سبحانه وأسمائه وصفاته:

1- التحذير من الوساوس والشكوك والأوهام:

عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((قال الله عز وجل: إن أمتك لا يزالون يقولون: ما كذا؟ ما كذا؟ حتى يقولون: هذا الله خلَق الخلْق، فمن خلق الله؟))[1].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يزال الناس يسألونكم عن العلم حتى يقولوا: هذا الله خلقنا، فمن خلق الله؟)) [2].

فهذا الشكّ إذا تمكّن في القلب يحصل الشرك في ذاته سبحانه، فحذّر النبي صلى الله عليه وسلم من الوقوع في ذلك، وبيّن للناس كيفية اتّقائه.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا وكذا؟ حتى يقول له: من خلق ربك؟ فإذا بلغ ذلك فليستعذ بالله ولينتَهِ))[3]، وفي رواية: ((فمن وجد من ذلك شيئاً فليقل: آمنت بالله))[4]، زاد في رواية: ((ورسله))[5].

2- التحذير من الكبر الذي هو حق الله تعالى:

عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((العز إزاره والكبرياء رداؤه فمن ينازعني عذبته))[6].

قال النووي: "ومعنى ((ينازعني)): يتخلّق بذلك فيصير بمعنى المشارك، وهذا وعيد شديد في الكبر"[7].

3- التحذير من التشبه بالله تعالى في الاسم الذي لا ينبغي إلا له وحده:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: ((أخنع الأسماء عند الله رجل تسمَّى بملك الأملاك))[8]، وفي لفظ: ((أغيظ رجل على الله رجل يسمى بملك الأملاك))[9].

قال النووي: "واعلم أن التسمي بهذا الاسم حرام، وكذلك التسمي بأسماء الله تعالى المختصة به كالرحمن والقدوس والمهيمن وخالق الخلق ونحوها"[10].

ب- التحذير من الوقوع في الشرك في عبادة الله تعالى:

1- الإخبار بوقوع الشرك في آخر الزمان:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس حول ذي الخلصة))، وكانت صنماً تعبدها دوس في الجاهلية بتبالة[11].

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((لا يذهب الليل والنهار حتى تُعبَد اللات والعزى))، فقلت: يا رسول الله، إن كنت لأظنّ حين أنزل الله: {هُوَ ٱلَّذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدّينِ كُلّهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ} [الصف:9] أنَّ ذلك تاماً!! قال: ((إنه سيكون من ذلك ما شاء الله، ثم يبعث الله ريحاً طيبة فتوفّي كلّ من في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، فيبقى من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم))[12].

وقد وقع ما أخبر به صلى الله عليه وسلم، فرجعت دوس وما حولها من القبائل لعبادة الخلصة وافتتنوا بها، حتى قامت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وتجدّد ما اندرس من الدين وعاد الإسلام لجزيرة العرب، فهدمت ذي الخلصة وأزيلت آثارها ولله الحمد[13].

2- النهي عن الإطراء في مدحه صلى الله عليه وسلم:

عن عمر رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله))[14].

إذ الغلو في تعظيمه يؤدّي إلى استشعار القلب بالخوف والرهبة منه والرجاء فيه، فيصرف إليه عندئذٍ شيئاً من حقوق الله تعالى[15].

3- النهي عن البناء على القبور، وعن اتخاذها عيداً ومساجد:

عن عائشة أن أم سلمة رضي الله عنهما ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة رأتها بأرض الحبشة يقال لها: مارية، فذكرت له ما رأت فيها من الصور، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح أو الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً، وصوّروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله))[16].

وعن عائشة وابن عباس رضي الله عنهما قالا: لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتمّ بها كشفها عن وجهه فقال وهو كذلك: ((لعنة الله على اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد))، يحذر ما صنعوا[17].

قال الحافظ: "وكأنه صلى الله عليه وسلم علم أنه مرتحل من ذلك المرض، فخاف أن يعظّم قبره كما فعل من مضى، فلعن اليهود والنصارى إشارة إلى ذمّ من يفعل فعلهم"[18].

وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجصّص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه[19].

4- النهي عن الصلاة إلى القبور:

عن أبي مرثد الغنوي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تصلوا إلى القبور، ولا تجلسوا عليها))[20].

قال النووي: "فيه تصريح بالنهي عن الصلاة إلى قبر"[21].

قال ابن القيم: "فإن هذا وأمثاله من النبي صلى الله عليه وسلم صيانة لحمى التوحيد أن يلحقه الشرك ويغشاه، وتجريد له وغضب لربه أن يعدل به سواء"[22].

5- الأمر بتسوية القبور وهدم ما بني عليها:

عن ثمامة بن شفي قال: كنا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم برودس، فتوفي صاحب لنا، فأمر فضالة بن عبيد بقبره فسوّي، ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بتسويتها[23].

وعن أبي الهيّاج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن لا تدع تمثالاً إلا طمستَه، ولا قبراً مشرفاً إلا سوّيته[24].

قال سليمان آل الشيخ: "وقد أجمع العلماء على النهي عن البناء على القبور وتحريمه ووجوب هدمه لهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة التي لا مطعن فيها بوجه من الوجوه، ولا فرق في ذلك بين البناء في مقبرة مسبّلة أو مملوكة إلا أنه في المملوكة أشدّ"[25].

6- التحذير من زيارة القبور للصلاة في المساجد المبنية عليها أو الدعاء عندها وشدّ الرحال إليها:

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، ومسجد الأقصى))[26].

قال ابن تيمية: "فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن السفر إلى غير المساجد الثلاثة"[27].

وقال أيضاً: "وهذا النهي يعم السفر إلى المساجد والمشاهد، وكل مكان يقصد السفر إلى عينه للتقرب"[28].

7- النهي عن الحلف بغير الله:

عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه أدرك عمر بن الخطاب في ركب وهو يحلف بأبيه، فناداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت))[29].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من حلف منكم فقال في حلفه: باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله))[30].

قال ابن تيمية: "وهو صلى الله عليه وسلم نهى عن الحلف بغير الله، وعن الصلاة عند طلوع الشمس وغروبها، وعن اتخاذ القبور مساجد، واتخاذ قبره عيداً، ونهى عن السفر إلى غير المساجد الثلاثة، وأمثال ذلك لتحقيق إخلاص الدين لله، وعبادة الله وحده لا شريك له، فهذا كله محافظة على توحيد الله عز وجل وأن يكون الدين كله لله، فلا يعبد غيره، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يدعى إلا هو، ولا يتَّقى إلا هو، ولا يصلى ولا يصام إلا له، ولا ينذر إلا له، ولا يحلف إلا به، ولا يحج إلا إلى بيته"[31].

 وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين،،


 


[1] أخرجه مسلم في الإيمان (136).

[2] أخرجه مسلم في الإيمان (135).

[3] أخرجه البخاري في بدء الخلق، باب: صفة إبليس وجنوده (3276)، ومسلم في الإيمان (134).

[4] وهي رواية لمسلم (134).

[5] وهي رواية لمسلم (134).

[6] أخرجه مسلم في البر والصلة (2620).

[7] شرح صحيح مسلم (16/173).

[8] أخرجه البخاري في الأدب، باب: أبغض الأسماء إلى الله (6206).

[9] هذا اللفظ عند مسلم في الآداب (2143).

[10] شرح صحيح مسلم (14/122).

[11] أخرجه البخاري في الفتن، باب: تغيير الزمان حتى تعبد الأوثان (7116)، ومسلم في الفتن (2906).

[12] أخرجه مسلم في الفتن (2907).

[13] الشرك في القديم والحديث (1/600).

[14] أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء، باب: قول الله: {واذكر في الكتاب مريم} (3445).

[15] الشرك في القديم والحديث (1/612).

[16] أخرجه البخاري في الصلاة، باب: الصلاة في البيعة (434).

[17] أخرجه البخاري في الصلاة، باب: حدثنا أبو اليمان (435).

[18] فتح الباري (1/634).

[19] أخرجه مسلم في الجنائز (970).

[20] أخرجه مسلم في الجنائز (972).

[21] شرح صحيح مسلم (7/38).

[22] إغاثة اللهفان (1/189).

[23] أخرجه مسلم في الجنائز (968).

[24] أخرجه مسلم في الجنائز (969).

[25] تيسير العزيز الحميد (332).

[26] أخرجه البخاري في فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب: فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة (1189). ومسلم في الحج (511).

[27] اقتضاء الصراط المستقيم (2/153).

[28] اقتضاء الصراط المستقيم (2/182).

[29] أخرجه البخاري في الأدب، باب: من لم ير إكفار من قال ذلك متأولاً (6108)، ومسلم في الأيمان (1646).

[30] أخرجه البخاري في الأدب، باب: من لم ير إكفار من قال ذلك متأولاً (6107)، ومسلم في الأيمان (1647).

[31] مجموع الفتاوى (27/350-351).

 

.