.

اليوم م الموافق ‏04/‏ذو القعدة/‏1439هـ

 
 

 

حديث اختصام الملأ الأعلى (الكفّارات)

740

الرقاق والأخلاق والآداب, العلم والدعوة والجهاد

أحاديث مشروحة, فضائل الأعمال

عبد الحميد التركستاني

الطائف

24/4/1420

طه خياط

محامد و أدعية طباعة الخطبة بدون محامد وأدعية 

ملخص الخطبة

1- إطعام الطعام موجب للجنة. 2- أفضل الإطعام الايثار مع الحاجة. 3- إفشاء السلام من موجبات الجنة. 4- منزلة حسن الخلق في الآخرة. 5- احتمال الأذى والعفو من المسيء. 6- ذم حال المشاحنين.

الخطبة الأولى

أما بعد:

أيها المسلمون: لقد تكلمت في الأسبوع الماضي عن حديث اختصام الملأ الأعلى وذكرت لكم الكفارات التي من فعلها كفّرت عنه ذنوبه وخطاياه وهي إسباغ الوضوء على المكاره، ونقل الأقدام إلى الجمعات أو الجماعات، والجلوس في المساجد بعد الصلوات، واليوم سوف أتكلم عن الدرجات وهي: إطعام الطعام ولين الكلام والصلاة والناس نيام، فأقول وبالله التوفيق:
الأول: إطعام الطعام وقد جعله الله في كتابه من الأسباب الموجبة للجنة ونعيمها، قال تعالى:  ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءا ولا شكورا إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا إلى قوله: وسقاهم ربهم شرابا طهورا إن هذا كان لكم جزاءا وكان سعيكم مشكورا . فوصف الله عز وجل فاكهة المؤمنين وشرابهم في الجنة جزاءا لإطعامهم الطعام في الدنيا، روى الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري  عن النبي
أنه قال: ((أيما مؤمن أطعم مؤمنا على جوع أطمعه الله من ثمار الجنة ومن سقى مؤمنا على ظمأ سقاه الله من الرحيق المختوم))  إسناده حسن.

وفي المسند وسنن الترمذي عن علي عن النبي أنه قال: ((إن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها)) قالوا: لمن هي يا رسول الله؟ قال: ((لمن أطعم الطعام وأطاب الكلام وصلى بالليل والناس نيام)) حديث حسن.

وفي حديث عبد الله بن سلام الذي خرّجه أهل السنن بإسناد صحيح، أنه سمع النبي أول مقدمه إلى المدينة يقول: ((أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام)).

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، رضي الله عنهما أن رجلا سأل النبي : ((أي الإسلام خير؟ قال: تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف)) متفق عليه.

ففي الأحاديث التي ذكرتها فوائد عظيمة ينبغي للمؤمن أن يعيها ويتصف بها، لأنها من مكارم الأخلاق ومن حميد العادات فالحث على إطعام الطعام هو أمارة الجود والسخاء ومكارم الأخلاق وفيه نفع للمحتاجين وسد الجوع الذي استعاذ منه النبي فإطعام الطعام يوجب دخول الجنة والنجاة من النار، كما قال عليه السلام: ((اتقوا النار ولو بشق تمره)) متفق عليه.

وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله : ((من أصبح منكم اليوم صائما))؟ فقال أبو بكر: أنا! فقال: ((من أطعم منكم اليوم مسكينا))؟ فقال أبو بكر: أنا، فقال: ((من تبع منكم جنازة))؟ فقال أبو بكر: أنا، فقال: ((من عاد منكم اليوم مريضا))؟ فقال أبو بكر: أنا، فقال رسول الله : ((ما اجتمعت هذه الخصال قط في رجل إلا دخل الجنة)).

ويتأكد إطعام الطعام للجائع وللجيران خصوصا ففي الصحيح عن أبي موسى الأشعري عن النبي قال: ((أطعموا الجائع، وعودوا المريض، وفكوا العاني)) وفي صحيح مسلم عن أبي ذر عن النبي قال له: ((يا أبا ذر إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك))، وأفضل أنواع إطعام الطعام: الإيثار مع الحاجة كما وصف الله بذلك الأنصار رضي الله عنهم فقال: ((ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة))، وقد يصل الحال ببعضهم حتى أنهم عند مفارقتهم للدنيا يؤثرون على أنفسهم فمن المواقف الطريفة في الإيثار التي لا يمكن أن يصل إليها إلا أقوياء الإيمان أشداء اليقين، نستنشق من هذه المواقف روائح الإنسانية الكريمة وعبق الإيثار الطيب وأريج الكرم الأصيل الذي غطته مطامع الأهواء والشهوات وطمسته حياة المادة واللذة في عصرنا الحاضر من خلال هذه الحادثة التي تبين لكم كم كان أصحاب رسول الله عظماء وكبارا يحبون الخير ويقدمون الغير على أنفسهم، قال حذيفة العدوي: انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عم لي ومعي شيء من الماء وأنا أقول: إن كان به رمق سقيته، فإذا أنابه، فقلت له: أسقيك؟ فأشار برأسه نعم فإذا أنا برجل يقول: آه آه، فأشار إلي ابن عمي أن انطلق إليه، فإذا هو هشام بن العاص، فقلت: أسقيك؟ فأشار أن نعم فسمع آخر يقول: آه آه، فأشار هشام أن انطلق إليه، فجئته فإذا هو قد مات فرجعت إلى هشام فإذا هو قد مات، ورجعت إلى ابن عمي فإذا هو قد مات، رحمه الله تعالى فهذا الإيثار هو أعلى مراتب الإيثار وهو الإيثار بالنفس ذلك أنه فوق الإيثار بالمال وكما قال الأول:

         يجود بالنفس إن ضن البخيل بها                         

                         والجود بالنفس أقصى غاية الجود

وكان ابن المبارك رحمه الله ربما يشتهي الشيء فلا يصنعه إلا لضيف ينزل به فيأكله مع ضيفه، وكان ابن عمر رضي الله عنهما لا يفطر إلا مع اليتامى والمساكين، فهذه الأخبار والحوادث لا تحتاج إلى مقدمة أو تعليق لتبقى على جوهرها وروعتها، ولتترك أثرها في النفوس وفعلها في القلوب.

الثاني من الدرجات: لين الكلام وفي رواية: ((إفشاء السلام)) وهو داخل في لين الكلام وقد قال الله عز وجل: ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم ، وعن أبي هريرة عن النبي قال: ((والكلمة الطيبة صدقة)) متفق عليه.

وعنه أيضا: ((اتقوا النار ولو بشق تمرة فمن لم يجد فبكلمة طيبة)) ويدخل في لين الكلام لزوم الصمت وعدم الإكثار من الكلام ففي الحديث عن النبي أنه قال: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت)) وقال أيضا: ((من صمت نجا)).

ولقد أحسن الذي يقول:

         إن كان يعجبك السكوت فإنه                              

                              قد كان يعجب قبلك الأخيارا

         ولئن ندمت على سكوت مرة                             

                              فلقد ندمت على الكلام مرارا

        إن السكوت سلامة ولربمـا                               

                              زرع الكلام عداوة وضرارا

والصمت يكسب المحبة والوقار ومن حفظ لسانه أراح نفسه وقد ورد عن عمر بن الخطاب وهو يخاطب الأحنف بن قيس: (يا أحنف من كثر كلامه كثر سقطه ومن كثر سقطه قل حياؤه ومن قل حياؤه قل ورعه ومن قل ورعه مات قلبه).

وأما إفشاء السلام فمن موجبات الجنة فعن أبي هريرة عن النبي قال: ((والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم)) رواه مسلم، وروى الترمذي بإسناد صحيح من حديث عمران بن حصين وغيره أن رجلا دخل على النبي فقال: السلام عليكم، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ((عشر)) ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله، قال: ((عشرون)) ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقال رسول الله : ((ثلاثون)).

وإنما جمع بين إطعام الطعام ولين الكلام ليكمل بذلك الإحسان إلى الخلق بالقول والفعل فلا يتم الإحسان بإطعام الطعام إلا بلين الكلام وإفشاء السلام فإن أساء بالقول بطل الإحسان بالفعل من الإطعام وغيره كما قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ، وربما تكون معاملة الناس بالقول الحسن أحب إليهم من الإحسان بإعطاء المال، كما قال لقمان لابنه: يا بني لتكن كلمتك طيبة ووجهك منبسطا تكن أحب الناس إلى الناس ممن يعطيهم الذهب والفضة، وقد كان النبي يلين القول لمن يشهد له بالشر فينتفي بذلك شره وكان لا يواجه أحدا بما يكره في وجهه ولم يكن فاحشا ولا متفحشا.

يقول جرير بن عبد الله البجلي : ما حجبني رسول الله منذ أن أسلمت ولا رآني إلا تبسم.

          لما عفوت ولم أحقد على أحد                           

                            أرحت نفسي من همّ العداوات

        إني أحيي عـدوي عند رؤيته                             

                            لأدفع الشـر عني بالتحيـات

        وأحسن البشر للإنسان أبغضه                             

                            كأنه  قد مـلا قلبي محبـات

وكان ابن عمر بنشد:

              بني إن البر شيء هين                          

                          وجه طليق وكلام لين

ومن هذا قول بعضهم وقد سئل عن حسن الخلق فقال: بذل الندى (السخاء والكرم) وكفّ الأذى، وحسن الخلق، يبلغ به العبد درجات المجتهدين في العبادة، كما قال النبي : ((إن الرجل ليدرك بحسن خلقه درجة صائم النهار وقائم الليل)) رواه أبو داود بإسناد صحيح.

ورؤي بعض السلف في المنام فسئل عن بعض إخوانه الصالحين، فقال: ((وأين ذلك؟ رفع في الجنة بحسن خلقه)) وقد سئل النبي عليه الصلاة والسلام: ما أفضل ما أعطي المرء المسلم؟ قال: ((الخلق الحسن))، فلين الكلام وإفشاء السلام دليل على حسن خلق فاعله ودليل على علو درجة إيمانه، فأحسن الناس خلقا أكملهم إيمانا، وليست هذه الأخلاق بالأخلاق الرياضية أو الدوبلوماسية وإنما هي الأخلاق الإسلامية من هذا الدين.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: قل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزع بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا .

الخطبة الثانية

أما بعد:

أيها المسلمون وإن من أعظم أوصاف حسن الخلق احتمال الأذى والحلم والعفو والصفح فهذا من سمة المؤمنين الصادقين فهذا نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام بلغ الذروة في احتمال الأذى والعفو عند المقدرة كما فعل بأهل مكة عام الفتح عندما قال لهم: لا تثريب عليكم اليوم اذهبوا فأنتم الطلقاء، وقد ذكر الله في كتابه وصف أهل الجنة بمعاملة الخلق بالإحسان بالمال واحتمال الأذى،: فقال تعالى: وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين، الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين ، فالإنفاق في السراء والضراء يقتضي غاية الإحسان بالمال من الكثرة والقلة، وكظم الغيظ والعفو عن الناس يقتضي عدم مقابلة السيئة من قول أو فعل بالسيئة، وذلك يتضمن إلانة القول، واجتناب الفحش و الإغلاظ في المقال ،ولو كان مباحا وهذا نهاية الإحسان، فلهذا قال سبحانه: والله يحب المحسنين ، وقال في آية أخرى: ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم فحسن الخلق إذًا: أن يكون المرء لين الجانب طلق الوجه، قليل النفور، طيب الكلمة، تدوم بين الناس محبته، وتتأكد مودته وتقال عثرته وتهون زلته وتغتفر ذنوبه وتستر عيوبه، فإن حسنت أخلاقه كثر مصافوه ،وقل معادوه، وتسهلت له الأمور الصعاب، ولانت له الأفئدة الغضاب، ومن ساءت أخلاقه، ضاقت أرزاقه، والناس منه في شؤم وبلاء وهو من نفسه في تعب وعناء.

وأما من ألان للخلق جانبه، واحتمل صاحبه، ولطفت معاشرته وحسنت محادثته، مال إليه الخلق واتسع له الرزق وهو من نفسه في راحة والناس منه في سلامة وأدرك المطلوب وقال كل أمر محبوب وارتفعت بذلك عند الله درجته وأدرك درجة قائم الليل وصائم النهار ومما يؤكد فضيلة العفو والصفح وعدم الحقد والشحناء ما ورد في فضل ذلك من مغفرة الذنوب ولا سيما في هذه الأيام وبالذات ليلة النصف من شعبان فقد خرّج ابن ماجه بإسناد صحيح عن أبي موسى الأشعري عن النبي أنه قال: ((إن الله ليطّلع ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن))، وعن أبي ثعلبة عن النبي أنه قال: ((إذا كان ليلة النصف من شعبان يطلع الله إلى خلقه فيغفر للمؤمنين ويترك أهل الضغائن وأهل الحقد بحقدهم)) رواه ابن أبي عاصم، واللالكائي، وعن عطاء بن يسار قال: ما من ليلة بعد ليلة القدر أفضل من ليلة النصف من شعبان. ولهذا يتعين على المسلم أن يجتنب الذنوب التي تمنع من المغفرة وقبول الدعاء في تلك الليلة وهي الشرك بالله والشحناء وهي ترك أداء حق المسلم على أخيه المسلم بغضا له لهوى في نفسه وذلك يمنع أيضا من المغفرة في أكثر أوقات المغفرة والرحمة كما في صحيح مسلم أن النبي قال: ((تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين والخميس فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئا إلا رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقول: أنظروا هذين حتى يصطلحا))، وقد فسر الأوزاعي هذه الشحناء المانعة من المغفرة بالذي في قلبه شحناء على أصحاب النبي أو كالذي يسب معاوية أو عليا وغيرهم ولا ريب أن هذه الشحناء أعظم جرما من مشاحنة الإخوة بعضهم بعضا وقال ثوبان: المشاحن هو التارك لسنة نبيه الطاعن على أمته السافك لدمائهم وهذه شحناء أهل البدعة توجب الطعن على جماعة المسلمين واستحلال دمائهم.

فأفضل الأعمال إذاً سلامة الصدر من الشحناء كلها، وأفضلها السلامة من شحناء أهل البدع التي تقتضي الطعن على سلف هذه الأمة وبغضهم والحقد عليهم واعتقاد تكفيرهم أو تبديعهم أو تضليلهم ثم يلي ذلك سلامة القلب من الشحناء لعموم المسلمين وإرادة الخير لهم ونصيحتهم وأن يحب لهم ما يحب لنفسه، روى الإمام أحمد بإسناد حسن عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قيل يا رسول الله، أي الناس أفضل؟ قال: ((كل مخموم القلب صدوق اللسان)) قالوا: صدوق اللسان نعرفه فما مخموم القلب؟ قال: ((هو التقي النقي لا إثم فيه ولا بغي، ولا غل، ولا حسد))، فطهروا قلوبكم وصفوها من الغش والحقد والحسد تستقيم لكم الحياة وتستلذوا بطيب العيش في الدنيا وبعلو الدرجات في الآخرة.

محامد و أدعية طباعة الخطبة بدون محامد وأدعية 

إلى أعلى

إذا كانت لديك أية ملاحظات حول هذه الخطبة، إضغط هنا لإرسالها لنا.

كما نرجو كتابة رقم هذه الخطبة مع رسالتك ليتسنى لنا التدقيق وتصويب الأخطاء

 
 

 2004© مؤسسة المنبر الخيرية للمواقع الدعوية على شبكة الإنترنت، جميع الحقوق محفوظة

عدد الزوار حالياً