.

اليوم م الموافق ‏20/‏ذو القعدة/‏1441هـ

 
 

 

خبيب بن عدي رضي الله عنه

5353

العلم والدعوة والجهاد, سيرة وتاريخ

القتال والجهاد, تراجم

حمزة بن فايع الفتحي

محايل

16/1/1419

جامع الملك فهد

محامد و أدعية طباعة الخطبة بدون محامد وأدعية 

ملخص الخطبة

1- التلاعب بمفهوم البطولة وانقلاب تصورات الناس فيها. 2- البطولة الحقيقية هي في الإيمان بالله والنضال عن الشريعة والثبات على المبادئ. 3- حادثة الرجيع ومقتل الصحابة فيها. 4- قصة خبيب بن عدي رضي الله عنه ومقتله. 5- دعوة للآباء لتعريف الأبناء بسير العظماء. 6- فوائد من قصة خبيب.

الخطبة الأولى

أيها الناس، هل قرأتم قصص المغامرات وسمعتم بحكايات التضحِيات وروايات الحب والفداء؟! اليوم سنقُصُّ قصةً هي أجل معنى وأمتع حَدَثا وأصح سندا. إنّ أغلب ما يتداوله الناس اليوم من القصص والأخبار لا تعدو أن تكون ملَّفقةً من عقل ذاك القاص أو إنشاء ذلك الروائي أو فكر ذاك المؤرخ، فيشوبها الكذب والتكلُّف والتهويل والتضليل ليشتروا بها ثمنا قليلا. أما قصتنا هذه ففيها بطولة نادرة عجيبة وتضحية صادقة عظيمة وفدائية قاهرة كبيرة، إنها صورة تحمل الصدق المتين والثبات المنقطع والهمّة الحية والإيمان الراسخ، إنه مشهد ولاء، لكن ليس لعذراء، ولا لأجل متعةِ غناء، ولا إرضاء حزب أو قبيلة، إنها بطولة أسالت الدماء ومزّقت الأبدان، فلا وراءها في الدنيا عيش ولا لذة ولا طيب استقرار وبقاء. إنها ليست هجران عشيقة، ولا نشوانَ يشدو أغنيةً خليعة، ولا رقمًا خطَفَ هدفَ آخرِ دقيقة.

أيها المسلمون أحفاد الأبطال، إن مصطلح البطولة تُلوعب به في هذا الزمان، فحمَله سوى أهله، وانتسب له غير آله وربعهِ، فأنتم ترون رموز الجبن والهوان أبطالا صناديد، وأرباب الخنا والفجور أعلامًا مشاهير، وصناع السفاهة والطيش أفذاذًا ميامين.

أيها العقلاء، كيف ترضون أن يُسمى الجبان بطلا، أو يُنعت السفيه إماما، أو يُجعل الدنيء قائدا هُماما؟! أين عقول أقوام جعلت المهانة شجاعة والدناءة مكانة والسفاهة رُقيًا وحضارة؟!

إذن ما البطولة الحقة يا معاشر المسلمين؟ إن البطولة الحقيقية إيمانك الصادق بالله تعالى ونضالك عن الشريعة وثباتك على المبادئ الصادقة وصدعك بالحق وصبرك على المكاره الشديدة، وإنَّ من أعظم صور البطولة بذل نفسك لله رب العالمين وبيعك الحياة الدنيا للآخرة العقبى.

كيف يكون بطلاً من يهاب لَسْعة الزُّنبور أو يخاف ظلمة الليل أو لا يطيق العيش في الشدة والحر أو يبكي على فوات الطعام والشراب واللذة اليسيرة الفانية؟! إن خُبيبًا كان بطلاً مقداما ومجاهدًا صنديدا، أراق دمه لله، ومزّق لحمه لدين الله، لم يهب الموت، ولم يخشَ بطش أهله، اشتاق المشركون لقتله فاشتاق للشهادة، واغتبطوا ببشاعة ذلك فاغتبط بالثبات والرجولة، أرادوا أن يسلبوه الإيمان فسلبهم الأذهان بصِدقه وشجاعته وتفانيه لله رب العالمين، قال تعالى: يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ [المائدة: 54].

نصبوه للقتل والإعدام فنصب لهم سهام الدعوات الصادقات في عرصات البطولة والتضحيات: (اللهم أحصهم عددا، واقتلهم بَددا، ولا تغادر منهم أحدا).

في السنة الرابعة من الهجرة وفي شهر صفر قدم على رسول الله قوم من عَضْل وقارّة، وذكروا أن فيهم إسلاما، وسألوا أن يبعث معهم من يعلمهم الدين ويُقرئهم القرآن، هم ستة نفر في قول ابن اسحاق، وفي رواية البخاري أنهم كانوا عشرة، وأمّر عليهم مرثد بن أبي مرثد الغنوي في قول ابن اسحاق، وعند البخاري أنه عاصم بن ثابت، فذهبوا معهم، فلما كانوا بالرجيع ـ وهو ماء لهذيل بناحية الحجاز بين رابغ وجدة ـ استصرخوا عليهم حيًا من هذيل يقال لهم: بنو لِحيان، فتبعوهم بقريب من مائة رامٍ، واقتفوا آثارهم حتى لحقوهم، فأحاطوا بهم، وكانوا قد لجؤوا إلى فَدْفَد ـ أي: مكان مرتفع من الأرض ـ فتبعوهم، وقالوا: لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا أن لا نقتل منكم رجلا، فأما عاصم فأبى النزول وقال: أما أنا فلا أنزل على ذمة كافر، اللهم أخبر عنّا نبيك ، وقاتلهم في أصحابه، وقتل منهم سبعة بالنبل ثم قتلوه، وبقي خبيب وزيد بن الدثنة ورجل آخر، فأعطوهم العهد والميثاق مرة أخرى، فنزلوا إليهم، ولكنهم غدروا بهم، وربطوهم بأوتار قسيّهم، فقال الرجل الثالث: هذا أوّل الغدر، والله لا أصحبكم، إنّ لي بهؤلاء لأسوة ـ يريد القتلى ـ فجرّوه وعالجوه على أن يصحبهم فلم يفعل فقتلوه، وانطلقوا بخبيب وزيد حتى باعوهما بمكة، فابتاع بنو الحارث بن عامر بن نوفل خُبيبًا، وكان خبيب هو من قتل الحارث يوم بدر، فلبث خبيب عندهم أسيرا حتى أجمعوا على قتله، قالت الجارية التي تحرسه: والله ما رأيت أسيرا خيرًا من خُبيب، فوالله لقد وجدته يوما يأكل قِطفًا من عنب في يده، وإنه لموثق بالحديد، وما بمكة من ثمرة، وكانت تقول: إنه لرزقٌ رزقه الله خبيبًا، فلما خرجوا به من الحرم ليقتلوه في الحِل قال لهم خبيب: دعوني أُصلي ركعتين، فتركوه فركع ركعتين فقال: والله، لولا أن تقولوا أن ما بي جزَعٌ لزدتُ. وفي الصحيح: كان خبيب أول من سنّ الركعتين عند القتل، ثم قال: اللهم أحصهم عددا، واقتلهم بددا، ولا تغادر منهم أحدًا، قال معاوية بن أبي سفيان: لقد حضرت مع أبي سفيان، فلقد رأيتُني وإن أبا سفيان ليضطجع على الأرض خوفًا من دعوة خبيب، وقال حويطب بن عبد العزى: لقد رأيتُني أدخلت إصبعي في أذني، وعدوت هاربًا خوفًا أن أسمع دعاءه.

فلما صلى الركعتين جعلوه على الخشبة، ثم وجّهوه إلى المدينة وأوثقوه رباطا، ثم قالوا له: ارجع عن الإسلام نُخلِ سبيلك، قال: لا والله، ما أحب أني رجعت عن الإسلام وأنّ لي ما في الأرض جميعا، قالوا: أفتحب أن محمدًا في مكانك وأنت جالس في بيتك؟ قال: لا والله، ما أحب أن يُشاك محمد بشوكة وأنا جالس في بيتي، فجعلوا يقولون: ارجع يا خبيب، فقال: لا أرجع أبدًا، قالوا: أما ـ واللات والعزى ـ لئن لم تفعل لنقتلنك، فقال: إن قتلي في الله لقليل، ثم قال: اللهم إني لا أرى إلا وجه عدو، اللهم إنه ليس هنا أحد يبلغ رسولك عني السلام، فبلغه أنت عني السلام، وقد روي أن النبي كان جالسًا مع أصحابه فأخذته غُمية كما كانت تأخذه ثم قال: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته، وقال: هذا جبريل يقرئني من خبيب السلام. ثم قاموا بقتله، فقام إليه أبو سِروعة أخو عقبة بن الحارث وقتله، ورُوي أن المشركين دعوا أربعين ولدا ممن قتل آباؤهم ببدر كفارا، فأعطوا كل غلام رمح وقالوا: هذا الذي قتل آباءكم، فطعنوه برماحهم طعنا خفيفا، فاضطرب على الخشبة، فانقلب فصار وجهه إلى الكعبة فقال: الحمد لله جعل وجهي نحو قبلته التي رضي لنفسه، ثم قتلوه .

وقد ذكر ابن إسحاق وغيره من أهل السير أن خُبيبًا حين رأى ما صنعوا به قال:

لقد جمَّع الأحزاب حـولِي وألّبـوا      قبائلهم واستجمعـوا كـل مَجمـعِ

وكلهم مبـدي العـداوة جـاهدًا      علـيَّ لأنـي فـي وثـاق بمضيـعِ

وقد خيرونِي الكفر والموتَ دونـه       وقد هملَت عينـاي مـن غير مَجزَعِ

إلى الله أشكـو غُربتِي ثم كـربتِي       و ما أرصد الأحزاب لِي عند مصرعي

فذا العرش صبّرني على ما يُراد بِي       فقد بضّعوا لَحمي وقد ياسَ مطمعـي

ولستُ أبـالي حين أُقتَلُ مسلمـا       على أيّ جنبٍ كان فِي الله مصرعـي

وذلك في ذات الإلـه وإنْ يشـأ        يبـارك علـى أوصـال شِلوٍ مُمزَّعِ

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً [الأحزاب: 23].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أيها الإخوة المؤمنون، إن في مثل هذه لذكرى للمتدبرين، ما أجمل أن تتلى هذه القصص وأمثالها على شبابنا وأبنائنا ليُدركوا عظمة أمتهم ومجدها وتراثها، وليتعلموا عميق تضحيات ذلك الرعيل لأجل دينهم ورضا ربهم.

أيها الآباء، اعرُضوا وأبينوا سير هؤلاء العظماء وثبّتوها في قلوب الأبناء، لتزكو عقولهم، وتعلو هِممهم، وتسمو طموحاتهم وأهدافهم. كم هو عظيم وبديع أن يكون ابنك صغيرًا لكنه يحمل همة أبي بكر وحماس عمر وشجاعة خبيب رضي الله عنهم، وكم هو قبيح ومؤسف أن يكون ابنك كبيرا وقد صغُر عقله وانتهى فكره لكرة أو ملهاة أو تفاهة، والله المستعان.

أيها الناس، إن أهم الدروس والعظات التي نستفيدها ونتعلمها من قصة خبيب ما يأتي:

أولا: أن بطولات جند العقيدة أعظم البطولات وأصدق التضحيات، لن تجدوا في مآثر أمةٍ ومفاخرها مثل الذي رأيتم في أبطال الإسلام، ولكم أن تسمعوا عُمير بن وهب في غزوة بدر ـ وكان إذ ذاك مشركا ـ عندما ذهب ينظر لعدد جيش المسلمين وعتادهم فلم يجد شيئًا فقال: ما وجدت شيئا، ولكني قد رأيت ـ يا معشر قريش ـ البلايا تحمل المنايا، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع، قومٌ ليس معهم منعَة ولا ملجأ إلا سيوفهم، والله ما أرى أن يقتل رجل منهم حتى يقتل رجلاً منكم، فإذا أصابوا منكم أعدادكم فلا خير في العيش بعد ذلك، فَرُوا رأيكم.

ثانيا: هوان الحياة ورخصها في عيون هؤلاء الشجعان، وأن العاقل لا تلهيه زهرة الدنيا عن طلب الآخرة والسعي إليها، قال الله جلّ وعلا: مَن كَانَ يُرِيدُ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ [هود: 15].

ثالثا: البطولة الصحيحة والبسالة المذهلة التي تبدو من صحابة رسول الله ، بطولات حقيقية صادقة وقد يعتبرها الجبناء في هذه الأعصار أساطيرَ لا أصل لها، قال تعالى: فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ [آل عمران: 146].

رابعا: الثبات على الحق والتضحية في سبيله مهما عظمت الكروب واشتدت الخطوب.

خامسا: الشهادة وفضيلتها، وأنه لا يضاهيها متاع ولا لذة ولا زينة من حطام الدنيا الفاني، وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران: 169].

سادسا: إن من أجل صور البطولة والبسالة بذل الروح للحي القيوم، واقتحام الأهوال لإعزاز الدين، وإذلال الكفار المجرمين.

اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.

اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

اللهم انصر دينك وعبادك المؤمنين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمنا مطمئنًا وسائر بلاد المسلمين...

 

محامد و أدعية طباعة الخطبة بدون محامد وأدعية 

إلى أعلى

إذا كانت لديك أية ملاحظات حول هذه الخطبة، إضغط هنا لإرسالها لنا.

كما نرجو كتابة رقم هذه الخطبة مع رسالتك ليتسنى لنا التدقيق وتصويب الأخطاء

 
 

 2004© مؤسسة المنبر الخيرية للمواقع الدعوية على شبكة الإنترنت، جميع الحقوق محفوظة

عدد الزوار حالياً