.

اليوم م الموافق ‏07/‏محرم/‏1436هـ

 
 

 

التقصير في تربية الأبناء

5197

الأسرة والمجتمع, العلم والدعوة والجهاد

الأبناء, التربية والتزكية

محمد الرزقي الورتاني

بنزرت الجنوبية

جامع الهداية

محامد و أدعية طباعة الخطبة بدون محامد وأدعية 

ملخص الخطبة

1- مثل المربي مثل صاحب البستان. 2- ظاهرة التهاون في تربية الأولاد. 3- كيفية وقاية الأهل من عذاب النار. 4- مفاسد إهمال تربية الأولاد. 5- مظاهر التقصير في تربية الأطفال. 6- التحذير من الدعاء على الأولاد. 7- أنواع التربية. 8- الإشادة بالأبناء الذين يحضرون المساجد مع آبائهم.

الخطبة الأولى

أيها الأحبة في الله، لنتصوّر أنّ رجلا يملك بستانا له، بستانا فيه رياحين وأزهار وأشجار وثمار، وهو يتعهّد ذلك البستان، يتعهّده بالرعاية والسقي والعناية التامّة، يرعى ذلك البستان ويحميه ويصونه، يصونه طبعا من عبث العابثين وإفساد الفاسدين المفسدين، وقد كثروا بيننا نسأل الله العافية، فماذا يحدث؟! وماذا تكون النتيجة؟! لا شك أنه سينمو ويعطي أحسنَ الثمار وأروع الأزهار وستسرّ بالنظر فيه، سيسرّ كل من رآه، كل من رآه، ما نظر فيه أحد وفيما فيه من خيرات إلا وقال: تبارك الله ما شاء الله.

ولكن لو جعل هذا البستان نسيًا منسيّا، لا يتعاهده، ولا يرعاه، ولا يسقي أشجاره، ولا يحفظه، ويتركه عرضة للعبث والفساد، فماذا سيكون مصير هذا البستان؟! هل تكون فيه ثمار؟! هل تكون فيه أزهار؟! هل تكون فيه رياحين؟! هل تكون فيه أشجار؟! الأكيد أنّ الإجابة عندنا جميعا وهي مما نتّفق عليه في دون منازع أنه لا يبقى منه شيء ذلك البستان، بل أنّ اسمه كبستان سيندثر وينمحي ولا يبقى منه شيء.

هذا مثال أسوقه إليكم ـ يا أحبتي في الله ـ على وضعنا في العناية بأبنائنا، وخاصة الذكور من أبنائنا، إننا نعيش فاجعة كبرى لا يعلم إلا الله سبحانه وتعالى إلى ما ستَنتَهي بنا، فإنّك بين الحين والآخر ترى من السلوك ما لا يصدقه العقل.

إن المرض والداء الذي أصِبنا به في تربية أبنائنا لخطير وخطير جدا، وإننا لنشاهد نتائجه بين أيدينا، وتأخذنا الدّهشة بهاتِه النتائج، ونرفع أصواتنا في أننا مقصّرون، وأن تلكم النتائج إنما مردّها ومأتاها هو تقصيرنا في تربية أبنائنا، وتكاد تكون هاته نقطة نلتَقي عندها جميعا، فيقول الواحد منّا ونقول جميعا: إننا مقصّرون في تربية أبنائنا، ولكن هل حركنا ساكنا في سبيل إصلاح هذا الوضع؟! فلا وألف لا، ونحن نعيش فترة حسّاسة جدّا في مرحلة التعليم التي هي الثلاثيّ الأخير من السنة الدراسية، وما هي إلا أيام قلائل نعيش بعدها نتائج أبنائنا في دراساتهم وفي امتحاناتهم، فعلينا أن نراجع أنفسنا في هذا الصدد، يقول الحق سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [التحريم: 6]، ويقول سيد الخلق: ((كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته))، ويقول في حديث آخر: ((ما نحل والد ولدَه خيرا من أدب حسن يؤدّبه به)) أخرجه الإمام أحمد والترمذي.

فكيف تكون الوقاية؟! وكيف يكون العلاج؟! وكيف يقع تحمل المسؤولية في هذا الصدد؟! فهي بكل بساطة بالقيام على التربية أحسن قيام، وهذه التربية إنما تكون بحفظهم في دينهم وفي دنياهم، فالوقاية هي القيام عليهم بتربيتهم وحفظهم في دينهم وفي أخلاقهم وفي دنياهم، فإن الله جل وعلا حمّلكم مسؤولية ذلك، وسيسألكم عن ذلك يوم الوقوف بين يديه، ففي الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي : ((إن كل مولود يولد على الفطرة، وأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)) أخرجه البخاري.

فيا أيها المؤمن، إن ولدك هو تاج جهدك، هو ثمرة جهدك في التربية والعناية والرعاية والوقاية، فإن وجدت خيرا من هذا الجهد فاحمد الله عليه، وإن وجدت غير ذلك فلا تلومنّ إلا نفسك.

أحبتي في الله، إنه مما يحزن القلب ويتفتّت له الفؤاد أن نرى الكثير من الناس قد أهملوا تربية أبنائهم، واستهانوا بها، وأضاعوها بالجملة، فلا حفظوا أولادهم، ولا ربوهم على البر والتقوى، بل وللأسف الشديد أن الكثير من الآباء ـ أصلح الله شأنهم ـ يساهمون بطريقة مباشرة أو غير مباشرة فيما أصبح عليه وضع أبنائهم. يقول ابن القيم رحمه الله: "كم من والد أشقى ولده ـ أي: كان سببا في شقاء ولده ـ وفلذة كبده، وذلك بإهماله وترك تربيته والعناية به، بل وترك تأديبه، وذلك بإعانته على شهواته، وهو يظن أنه بتدليله وبتلبية شهواته إنما يكرِمه، بينما في الواقع قد أهانه، يظنّ أنه رحمه وهو قد ظلَمه، ففاته الانتفاع بولده، وفوَّت على ولده حظَّه في الدنيا وفي الآخرة".

وإذا نظرت فيما عليه أبناؤنا من انحلال وفساد وجدت أن وراء ذلك الآباء أو بالإهمال المفرط أو بالتدليل المفرط. إنَّ كثيرا من الآباء كان سببا مباشرا أو غير مباشر في شقاء أبنائهم.

أيها الآباء الأفاضل، إنَّ من المشكلات الكبرى والنوازل العظمى التي أصيبت بها الكثير من المجتمعات الإسلامية على الخصوص تقصير الوالدين في رعاية أولادهم وتربيتهم على البر والتقوى، ومعالم وأنواع هذا التقصير كثيرة وعديدة، فمنها على الخصوص الانشغال بمشاغل الدنيا الفانية الخالية التي لا تعدل ولا تساوي عند الله جناح بعوضة، فكم من هؤلاء الآباء الذين هجروا بيوتهم فلا يجلسون فيها إلا قليلا للأكل أو للشرب أو للنوم، أما باقي الوقت فهي بين اللهو واللعب بدعوى الترفيه عن النفس أو إضاعة الوقت، ونسي أن ذلك الوقت المضاع المهدر سوف يسأل عنه كما سيسأل عن تربية أبنائه يوم القيامة، أعمال كثيرة ما فيها إلا إضاعة الوقت والتقصير في الواجبات.

ولكم أن تسألوا أنفسكم: كم منكم رافق ابنه أو ابنته للمدرسة؟ وكم منكم كان واقفا أمام المدرسة ينتظر خروج ابنه أو ابنته ليكون برفقته إلى البيت وليعيش معه على الأقل فترة دخوله المدرسة أو خروجه منها؟ إنه عمل بسيط في حدّ ذاته، ولكنه عظيم الفائدة والقيمة، فمن خلاله من خلال هذا العمل البسيط المتواضع المتمثّل في مرافقة ابنك أو بنتك أو حفيدك أو حفيدتك للمدرسة أو انتظار خروجه منها يشعر الابن أو البنت بالرعاية والعناية والمواكبة والمراقبة. وإني أتوجَّه بالسؤال إلى البعض من الآباء، سؤال بسيط يمكن لكلّ أب أن يقوم بتجربته، وليرى نتائجه: ترى ماذا لو وقف أب يسأل ابنه وقد عاد إلى المنزل متأخرا، يسأله: أين كنت؟ وفي اليوم التالي يسأله نفس السؤال ولكن بشيء من الحدّة، فسوف يرى بأمّ عينيه سلوك الابن في تلك العودة المتأخرة إلى الدار، وهذه العودة المتأخرة هي سبب كل البلايا، والأب هو الأب، ينبغي أن يستشعر ذلك، فلا يظنّ أن كبر الابن يمنعه من أن يسأله عن سبب عودته متأخرا إلى المنزل، فإنه إن تخلّى عن هذا الدور كأب يكون بذلك قد فتَح المجال أمام الابن ليفعلَ ما يشاء، وعندئذ سوف لن يكونَ الأمر متعلِّقا بالعودة المتأخرة للدار، بل ستكون هناك أشياء أخرى، وهو ما أصبحنا نعيشه ونراه بأم أعيننا.

هذه عينة بسيطة من التقصير في حقّ الأبناء، يأتي ما هو أخطر منها وهو تهوين وتصغير الفعلة القبيحة، عندما يرتكب الابن الفعلة القبيحة المعصية، فيهوّنان عليه، إما بغض النظر عنها أو باعتبارها شيئا عاديا، إنّ هذا خيانة، خيانة عظمى في تربية الأبناء، خيانة للأبناء في تربيتهم، خيانة للمجتمع في أن تقدِّم له من النسل ما ينفعه، خيانة للأمانة التي حمّلك الله إياها، خيانة لنفسك في تربية أبنائك، والمصطفى يخبرنا: ((إنه من ما عبد يسترعيه ربه رعية فيموت وهو غاش لها إلا لم يجد رائحة الجنة)) رواه البخاري ومسلم من حديث معقل بن يسار، ويقول الحق سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [التحريم: 6]، والوقاية هنا هي الحماية والوقاية من كلّ قبيح وتجنب كل تقصير، والآية الكريمة تتعلّق بوقاية النفس والأهل، الوقاية من النار وليست نار اليوم، إنها نار يوم القيامة التي وقودها الناس والحجارة.

إن حسن التربيَة هو أمانة كبيرة وعظيمة، هذه الأمانة العظمى أمانة تربية الأبناء الكثير منا تخلى عنها بالكلية، وأحلّ محلها واستبدل مكانها الإضاعة والإهمال، فنتج عن ذلك أن الأبناء أبناءَنا أصبحوا في حلٍّ، يخرجون في أيّ وقت شاؤوا، ويعودون متى شاؤوا، ويصاحبون ويخالطون من شاؤوا، ويسهرون الليل وينامون النهار، ولم يقتصر الأمر على جلوس أبنائنا في المقاهي معنا حيث نسمع منهم ويسمعون منا الخير والبركة.

أحبتي في الله، إنّ هِبة الولد الصالح هي من أجلّ النعم من الحق سبحانه وتعالى، كيف لا وابن آدم إذا مات انقطع من الدنيا إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له، كما أخرجه مسلم في صحيحه. ومن الأمانة أن تحفظ الوصية في الأهل وفي الولد، وذلك بأن تخلص لهم في الدعاء، فتنال بذلك أجر الدعاء لهم بالصلاح والسداد، فتنعم في الدنيا وتؤجر عن ذلك في الآخرة، وأن تجتنبوا الدعاء عليهم بالشرّ ولو في حال السخط، ونحن نرى الأمهات وقد تعوَّدن تلك العادة السيئة التي هي الدعاء بالمكروه على الأبناء، من ذلك ما تجده عند كلّ الأمهات عندما يخطئ الطفل أيَّ خطأ فأول ما تبادِره به الأم هو الدعاء عليه بأخطر الدعاء، فهي تبادره بقولها: "يفسد رأيك"، وما علمت المسكينة أنّ من أعظم المصائب مصائب الأبناء والآباء في الوقت ذاته هو فساد الرأي، ونحن إنما نعاني اليوم من فساد الرأي عند أبنائنا وحتى عند كبارنا؛ لأنهم هم أيضا نالوا نصيبهم من هذا الدعاء الخطير عندما كانوا صغارا.

صحيح أن التربية عمل شاقّ وجهد كبير يحتاج إلى وقت وصبر وثبات، ولها جوانب مختلفة، هاته التربية تأتي في طليعتها التربية الإيمانية، تربية الطفل على الإيمان. من منا اهتم بتربية ابنه تربية إيمانية؟! لا تجيبوا فاسألوا أنفسكم وأنا معكم، فكلنا نعرف الجواب، وهو الجواب الذي يجده الإنسان عندما يسأل نفسه؛ لأن الجواب الذي يأتي من قرارة نفس المؤمن غير الجواب الذي يأتي من الغير. ثم هناك التربية الأخلاقية والخلقية، وهناك التربية الجسمية، وهناك التربية العقلية، وهناك التربية النفسية، وهناك التربية الاجتماعية، وأنواع أخرى من التربية قائمتها تطول، ولكننا لا نهتم بها إطلاقا.

وقد أكون مبالغا وقاسيا في هذا الحكم، فيقول البعض: لا يا شيخ، فنحن نربي أبناءنا، إنما هناك عوامل واردة علينا غلبت وتغلّبت علينا، وأقول: إن هذا صحيح إلى حدّ ما، ولكن هناك أمور أخرى قد تفوت من اجتهد في التربية، هاته الأمور منها أن يهتم بأمور وينسَى أمورا أخرى، فنحن نهتمّ بالنتائج في الدراسة، ربما من خلال مطالعاتنا لدفاتر أبنائنا، هذا شيء مهم وممتاز، علينا أن نحافظ عليها، ولكن هناك أمور أخرى هي خطيرة، وهي أن نقصر المتابعة والتربية على جانب أو بعض الجوانب ونهمل جوانب أخرى وهي هامّة، فذلك مما قد يفضي إلى عدم التوازن في التربية.

لنأخذ على ذلك مثلا بسيطا، لنتصور أنك اهتممت بابنك فوصل مراتب من العلم وحصل على شهادات، وقد كثرت بيننا الشهادات العديمة الفائدة والجدوى، فحصل على شهادات عليا، ولكنك أهملت تربيَتَه الأخلاقية، فنشأ عديم الأخلاق، لا أخلاق له, والأمثلة كثيرة، فهل يستفيد ممّا وصل وحصّل عليه من شهادات ومن زاد علمي؟!

أختم هذا الموضوع ـ أحبتي في الله ـ بجانب أحبّه كثيرا وأنتشي به، وهو أن نرى أبناءنا وفلذات أكبادنا معنا جنبًا إلى جنب عامرين بيوتَ الله، فهذا مما ينبغي أن نثمِّنه ونتحدث به في جلساتنا وفي ديارنا، ونحدّث به أبناءنا ونساءنا، فإنّ الطفل يتأثر بما يسمَع، ويتصرف بدافع حبّ الاطلاع، وعندما يرى قرينه يسلك المسلك المرضيّ الذي يجرّ له الاهتمام يتبعه في سلوكه، وهذا السلوك الحسن هو الذي من خلاله نبدأ المصالحة مع تربية أبنائنا.

اللهم يسّر علينا العناية بأبنائنا وفلذات أكبادنا، وباعد وأبعد عنهم الفواحش والمحن ما ظهر منها وما بطن، اللهم اجعل لنا قرة عين في أزواجنا وفي ذرياتنا، وبارك لنا فيهم يا رب العالمين.

أقول ما سمعتم، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولوالديّ ولوالديكم من كلّ ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

 

الخطبة الثانية

لم ترد.

محامد و أدعية طباعة الخطبة بدون محامد وأدعية 

إلى أعلى

إذا كانت لديك أية ملاحظات حول هذه الخطبة، إضغط هنا لإرسالها لنا.

كما نرجو كتابة رقم هذه الخطبة مع رسالتك ليتسنى لنا التدقيق وتصويب الأخطاء

 
 

 2004© مؤسسة المنبر الخيرية للمواقع الدعوية على شبكة الإنترنت، جميع الحقوق محفوظة

عدد الزوار حالياً