.

اليوم م الموافق ‏06/‏ربيع الأول/‏1444هـ

 
 

 

أنواع الظلم

5068

التوحيد, الرقاق والأخلاق والآداب

الشرك ووسائله, الكبائر والمعاصي

عاصم بن لقمان يونس الحكيم

جدة

3/8/1425

جامع جعفر الطيار

محامد و أدعية طباعة الخطبة بدون محامد وأدعية 

ملخص الخطبة

1- أنواع الظلم. 2- الشرك أعظم الذنوب. 3- عِظم ظلم العباد بعضهم بعضًا. 4- من صور ظلم العباد بعضهم بعضًا.

الخطبة الأولى

أما بعد: عن عبد الله بن عمر أن النبي قال: ((اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلماتٌ يوم القيامة)). والظلم هو الجور ومجاوزة الحد والميل عن القصد ومنع أهل الحقوق حقوقهم. وقد حذر الله تعالى منه أشد التحذير، وبينه لنا نبينا إذ قال: ((الظلم ثلاثة: فظلم لا يغفره الله، وظلم يغفره، وظلم لا يتركه. فأما الظلم الذي لا يغفره الله فالشرك، قال الله تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13]. أما الظلم الذي يغفره فظلم العباد أنفسهم فيما بينهم وبين ربهم. وأما الظلم الذي لا يتركه فظلم العباد بعضهم بعضا، حتى يُدْبِرَ ـ يقتص ـ لبعضهم من بعض)).

فهذه ثلاثة أقسام، القسم الأول هو الذي لا يغفره الله أبدا، وهذا النوع هو أكثر ما يشير إليه القرآن كقوله تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ وكقوله: وَالْكَافِرُونَ هُمْ الظَّالِمُونَ [البقرة:254]. فالشرك والكفر لا يغفره الله تعالى أبدا إلا بالتوبة، فالذي يعبد الأحجار والأشجار أو الذي يتمسح بالقبور ويستغيث ويطلب المدد من الموتى أو يؤمن بالكهان والعرافين والسحرة ويتعامل معهم أو يستهزئ بشرع الله ويأبى تحكيمه، فأولئك ـ وغيرهم كثير ـ هم الظالمون الذين إن لم يتوبوا فلن يغفر الله لهم أبدا، وهم في الآخرة من المخلدين في النار.

وأما الظلم الذي يغفره الله تعالى فهو ما بين العبد وربه، وأغلب الذنوب والمعاصي من هذا النوع، كالنظر إلى الحرام وسماعه وشرب الدخان ونحوه، والله تعالى يقول: وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ [الطلاق:1]، ويقول: وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ [البقرة:229]. وهذا النوع من الظلم أمره إلى الله، إن شاء عذب وإن شاء غفر، وتكون المغفرة أقرب إذا أعقب الذنب استغفارا، يقول تعالى: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرْ اللَّهَ يَجِدْ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء:110].

وانظر إلى قول موسى عليه السلام بعد أن قتل القبطي ماذا قال: رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ [القصص:16]، وهذه المغفرة مقيدة بشرط، وهو عدم المجاهرة، لقول النبي : ((كل أمتي معافى إلا المجاهرون))، وفي الصحيح أن النبي قال: ((إن الله يدني المؤمنَ فيضع عليه كنفَه ويستره، فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم أي رب، حتى إذا قرره بذنوبه ورأى نفسه أنه هلك قال تعالى: سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى كتاب حسناته. وأما الكافر والمنافق فيقول الأشهاد: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم، ألا لعنة الله على الظالمين)).

وأما الظلم الذي لا يتركه الله تعالى، فهو ظلم العبد أخاه المسلم، يقول النبي : ((يقول الله تعالى: يا عبادي، إني حرمت على نفسي وجعلته محرما بينكم فلا تظالموا)). وهذا النوع من الظلم يقتص الله من المسيء إلى المظلوم يوم القيامة بقدر ظلمه وإساءته، ففي الصحيح أن النبي قال: ((من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أُخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم تكن له حسناتٌ أُخذ من سيئات صاحبه فحُمل عليه)). فانظر كم من مسلم ضربت أو شتمت، وكم من مسلم أكلت ماله أو نظرت أو عاكست أهل بيته، جاء في صحيح مسلم أن النبي قال: ((المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا وسفك دم هذا وأكل مال هذا، فيُعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أُخذ من خطاياهم فطرحت عليه فطرح في النار)).

أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم.

 

الخطبة الثانية

أما بعد: فمن الأدعية التي علمنا إياها نبينا حين الخروج من المنزل: ((اللهم إني أعوذ بك أن أَضِلّ أو أُضَلَ أو أَزِل أو أُزَلّ أو أَظلم أو أُظلَم أو أَجهَل أو يُجهَل عليّ)). وكان النبي قلما يقوم من مجلسه إلا دعا بدعوات فيها: ((واجعل ثأرنا على من ظلمنا)).

وظلم العباد بعضهم البعض أمر خطير، ولا تكفيه خطبة أو خطبتان، ولكنها إشارة وتذكير، وسيذكر من يخشى. وإن من أبشع الظلم ما يفعله البعض من إساءة معاملة الزوجات والأبناء، فلا ينفق عليهم ولا يحسن تربيتهم ويضربهم ويهينهم، وربما أجبرهم على معصية الله، والنبي يقول: ((كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت)). وإن من إضاعتهم أيضا تركهم دون رعاية ولا قوامة ولا تفقد لأحوالهم، وذلك بإعطائهم ما يرغبون فيه من أموال وتيسير لسبل الفساد والغواية، وهذا هو عين الظلم إذ يقول تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [التحريم:6]، فمن لم يمنع أهله من اقتحام النار بل وسهل لهم ذلك فقد ظلمهم.

كذلك ما تفعله بعض الشركات والأفراد من منع الموظفين رواتبهم ومستحقاتهم، شهرين أو ثلاثة أو أكثر من ذلك، والنبي يقول: ((مطل الغني ظلم))، ويقول: ((أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه)).

ومن الظلم كذلك ما يفعله البعض من استقدام العمال وأخذ نسبة معلومة من رواتبهم الشهرية، وهذا سحت محرم. ومن الظلم أن تستقدم خادمة أو سائقا، فتحمله ما لا طاقة له به مما لا يجوز عرفا، كأن يعمل لثلاثة أو أربعة بيوت، مع تكليفه بالعمل المتواصل من السادسة صباحا إلى الثانية بعد منتصف الليل، ولا يحلو لربة المنزل الخروج إلا وقت الصلاة كي تفوته صلاة الجماعة، وربما ضرب بعضهم سائقه أو خادمته إن أخطآ، وهذا الذي تظلمه ـ يا عبد الله ـ وتسخر منه سوف يأخذ من حسناتك يوم القيامة حتى يرضى، وما أظنه يرضى بالقليل، فهو يخدمك الآن وسوف تخدمه يوم القيامة، وحتى لو كان هذا الذي تظلمه كافرا فإن ظلمه حرام، يقول النبي : ((اتقوا دعوة المظلوم وإن كان كافرا، فإنه ليس دونها حجاب))، فكيف ـ عباد الله ـ بدعوة المسلم المظلوم؟!

وإن من الظلم أن نسمع وشاية الواشين وغيبة وبهتان النمامين في شخص ثم نصدق إفكهم ونيسر لهم إيغار صدورنا على أحد من المسلمين دونما تثبت أو تحقق، وكم من أوقات ظلمنا فيها وأخطأنا بسبب قيل وقال.

فاتقوا الله عباد الله، واتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، وبادروا بالتوبة وإنصاف الناس وإعطائهم حقوقهم قبل فوات الأوان، فإن المتقين يسعى نورهم أمامهم يوم القيامة وهم على الصراط ليضيء لهم، والظالم لا نور له؛ لأن الظلم ظلمات، فربما مشى فزلت قدمه فسقط في النار لظلمه، والعياذ بالله.

نفعني الله وإياكم بالقرآن الكريم، ربنا ظلمنا أنفسنا...

 

 

محامد و أدعية طباعة الخطبة بدون محامد وأدعية 

إلى أعلى

إذا كانت لديك أية ملاحظات حول هذه الخطبة، إضغط هنا لإرسالها لنا.

كما نرجو كتابة رقم هذه الخطبة مع رسالتك ليتسنى لنا التدقيق وتصويب الأخطاء

 
 

 2004© مؤسسة المنبر الخيرية للمواقع الدعوية على شبكة الإنترنت، جميع الحقوق محفوظة

عدد الزوار حالياً