.

اليوم م الموافق ‏03/‏جمادى الأولى/‏1439هـ

 
 

 

سلعة الله الغالية

41

الإيمان, الرقاق والأخلاق والآداب

الجنة والنار, اليوم الآخر

صالح بن عبد الله بن حميد

مكة المكرمة

المسجد الحرام

محامد و أدعية طباعة الخطبة بدون محامد وأدعية 

ملخص الخطبة

أهمية الحديث عن نعيم الجنة وأثره – صور من نعيم الجنة – من هم أصحاب الجنة ؟ - سبيل الجنة والأعمال المؤدية إليها

الخطبة الأولى

 

أما بعد:

فيا أيها الناس اتقوا الله حق تقاته ،وسارعوا إلى مغفرة ربكم ومرضاته، وأجيبوا الداعي إلى دار كرامته وجناته، والعمر سريع الذهاب بساعاته وأوقاته.

أيها المسلمون، الحديث عن النعيم المقيم، والإيمان الراسخ بالنزل الكريم من الغفور الرحيم هو سلوة الأحزان، وحياة القلوب، وحادي النفوس ومهيجها إلى ابتغاء القرب من ربها ومولاها.  الحديث عن النعيم والرضوان لا يسأمه الجليس ولا يمله الأنيس.

عزت دار الفردوس من دار، وجل فيها المبتغى والمرام، دار وجنات تبلغ النفوس فيها منيتها ومناها. غرف مبنية طابت للأبرار منازلها وسكناها. جل وتقدس من سواها وبناها، غرسها الرحمن بيده، وجعلها مستقرًا لأهله وخاصته، وملأها برضوانه ورحمته، فيها الفوز العظيم والملك الكبير والنعيم المقيم. ولموضع سوط فيها خير من الدنيا وما فيها: فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا إِلاَّ مَتَـٰعُ ٱلْغُرُورِ [آل عمران:185].

أيها الإخوة، وهذا حديث ذكرى وتذكير من آي الكتاب وخبر سيد الأخيار والأحباب نبينا محمد عليه الصلاة والسلام عما أعده ربنا جل وتقدس لعباده المتقين من جنات وعيون ومقام كريم.

أيها الإخوة، يحشر المتقون إلى الرحمن وفدًا، ويساقون إلى الجنة زمرًا. لقد وجدوا ما وعدهم ربهم حقًا، رضي عنهم ورضوا عنه. ناداهم عز جلاله: يٰعِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ بِـئَايَـٰتِنَا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوٰجُكُمْ تُحْبَرُونَ [الزخرف:68-70].

أول زمرة منهم يدخلون الجنة على صورة القمر، ثم الذين يلونهم على أشد كوكب دريٍّ، على خلق رجل واحد على صورة أبيهم آدم لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم على قلب واحد يسبحون الله بكرةً وعشيًا دَعْوٰهُمْ فِيهَا سُبْحَـٰنَكَ ٱللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَءاخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ [يونس:10].

يناديهم المنادي: لكم النعيم سرمدًا، تحيون ولا تموتون أبدًا، وتصحون ولا تمرضون أبدًا، تشبون ولا تهرمون أبدًا، وتنعمون ولا تبأسون أبدًا، يحل عليكم رضوان ربكم فلا يسخط أبدًا.

جنات عدن يدخلونها، غرفاتها من أصناف الجوهر كله، يرى باطنها من ظاهرها وظاهرها من باطنها، فيها من النعيم واللذائذ ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. اقرؤوا إن شئتم: فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [السجدة:17]. وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلاْنْفُسُ وَتَلَذُّ ٱلاْعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ [الزخرف:71]. فِيهَا أَنْهَارٌ مّن مَّاء غَيْرِ ءاسِنٍ وَأَنْهَارٌ مّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَـٰرٌ مّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لّلشَّـٰرِبِينَ وَأَنْهَـٰرٌ مّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلّ ٱلثَّمَرٰتِ وَمَغْفِرَةٌ مّن رَّبّهِمْ [محمد:34].

رياضها مجمع المتحابين، وحدائقها نزهة المشتاقين، وخيامها اللؤلؤية على شواطئ أنهارها بهجة للناظرين، عرش الرحمن سقفها، والمسك والزعفران تربتها، اللؤلؤ والياقوت والجوهر حصباؤها، والذهب والفضة لبناتها: غُرَفٌ مّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأنْهَـٰرُ [الزمر:20]. عاليات الدرجات في عاليات المقامات، بهيجة المتاع، قصر مشيد وأنوار تتلألأ، وسندس وإستبرق، وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة، وفرش مرفوعة، هم فيها على الأرائك متكؤُن. ظلها ممدود، وطيرها غير محدود، فاكهة مما يتخيرون، ولحم طير مما يشتهون. قطوفها دانية للآكلين، وطعمها لذة للطاعمين. قد ذللت قطوفها تذليلاً.

نعيم البدن بالجنان والأنهار والثمار. ونعيم النفس بالأزواج المطهرة، ونعيم القلب وقرة العين بالخلود والدوام، عيش ونعيم أبد الآباد، عطاء من ربك غير مجذوذ.

فيها أزواج مطهرة، خيرات حسان الوجوه، جمعن الجمال الباطن والظاهر من جميع الوجوه. في الخيام مقصورات، وللطرف قاصرات، تقصر عن حسنهن عيون الواصفين عُرُباً أَتْرَاباً %  لاِصْحَـٰبِ ٱلْيَمِينِ [الواقعة:37، 38]، لا يفنى شبابها، ولا يبلى جمالها: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَانٌّ [الرحمن:56] لو اطلعت إحداهن على الدنيا لملأت ما بين الارض والسماء ريحًا وعطرًا وشذًى، ولطمست ضوء الشمس كما تطمس الشمس ما في النجوم من ضياء. حور عين راضيات لا يسخطن أبدًا، ناعمات لا يبأسن أبدًا، وخالدات لا يزلن أبدًا.

أصحاب الجنة يلبسون من سندس وإستبرق متقابلين، ويحلون من أساور من ذهب ولؤلؤًا، وَسَقَـٰهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً [الدهر:21]، يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَـٰفٍ مّن ذَهَبٍ وَأَكْوٰبٍ [الزخرف:71]، وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ [الطور:24].

يجتمعون في ظلها الظليل يتنازعون فيها كؤوس الرحيق المختوم والتسنيم والسلسبيل، تتوالى عليهم المسرات والخيرات والإحسان والمكرمات.

نزع من قلوبهم الغل وطرد عنهم الحزن والهم: وَقَالُواْ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ٱلَّذِى أَحَلَّنَا دَارَ ٱلْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ [فاطر:34،35]، لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً إِلاَّ قِيلاً سَلَـٰماً سَلَـٰماً [الواقعة:25،26].

هدوء ورضًا يغمره السلام والاطمئنان، والود والأمان، يبلغهم ربهمي السلام: سَلاَمٌ قَوْلاً مّن رَّبّ رَّحِيمٍ [يس:58]. والملائكة يدخلون عليهم من كل باب بالسلام: سَلَـٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ [الرعد:24]. وخزنة الجنة يحيونهم بالسلام: سَلَـٰمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَـٰلِدِينَ [الزمر:73].

في جنات عدن يأتلفُ شملهم مع آبائهم وأزواجهم وذرياتهم: جَنَّـٰتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ ءابَائِهِمْ وَأَزْوٰجِهِمْ وَذُرّيَّاتِهِمْ [الرعد:23]، وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مّنْ غِلّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ [الحجر:47]، وفي جو التجمع والتلاقي تنادي الملائكة بالتكريم والترحيب: سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمُ ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [النحل :32].

وهل ترى نعيمًا يا عبد الله فوق هذا النعيم ؟!

نعم لقد بقي بعد الحسنى الزيادة؛ فهذا هو يوم المزيد فاستمع يوم ينادي المنادي: يا أهل الجنة إن ربكم تبارك وتعالى يستزيركم: (أي يطلب زيارتكم) فحي على الزيارة فينهضون إلى الزيارة مبادرين؛ فإذا بالجنائب قد أعدت لهم حتى إذا انتهوا إلى الوادي الأفيح نصبت لهم منابر من نور ولؤلؤ وزبرجد وجلسوا على كثبان المسك ؛ ثم ينادي المنادي: يا أهل الجنة: سلام عليكم تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَـٰمٌ [الاحزاب:44].

يا أهل الجنة هذا يوم المزيد؛ ثم يكشف الرب الحجب ويتجلى لهم فيغشاهم من النور ما يغشاهم.

فيا قرة عيون الأبرار بالنظر إلى الوجه الكريم في الدار الآخرة، ويا ذلة الراجعين بالصفقة الخاسرة: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبّهَا نَاظِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ [القيامة:22-25].

أيها الإخوة، هؤلاء هم أصحاب الحسنى وزيادة: كَانُواْ قَلِيلاً مّن ٱلَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِٱلاْسْحَـٰرِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وَفِى أَمْوٰلِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّائِلِ وَٱلْمَحْرُومِ [الذاريات:17-19] يصلون بالليل والناس نيام، يصومون وغيرهم يأكل، وينفقون وغيرهم يبخل، ويقاتلون وغيرهم يتقاعس ويجبن.

أولئك هم عباد الله حفظوا وصية الله، ورعوا عهده، بربهم يؤمنون، وبربهم لا يشركون ،وهم من خشيته مشفقون، استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا سرًا وعلانية في السراء والضراء، يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة، يجتنبون كبائر الإثم والفواحش، إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا وعلى ربهم يتوكلون، عن اللغو معرضون، وللزكاة فاعلون، ولفروجهم حافظون، إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين. لأماناتهم وعهدهم راعون. طالما تعبت أجسادهم من الجوع والسهر، واستعدوا من الزاد بما يكفي لطويل السفر، عثراتهم تجري وفي قلوبهم معبر، كثر استغفارهم فحطت خطاياهم، وكل ما طلبوا من ربهم أعطاهم، فسبحان من اختارهم واصطفاهم، (إنهم عباد الله المخلَصون)، فيهم الشهيد المحتسب والعفيف المتعفف، والسلطان المقسط، والضعيف المتضعف المتواضع ذو الطمرين مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره[1].

أقوام يقطرون نزاهة ،أفئدتهم مثل أفئدة الطير ،فيهم الذين لا يرقون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون، متحابون في جلال الله، فيهم صاحب القرآن يقرأ ويرتل ويرتقي، فيهم تارك المراء ولو كان محقـًا، وتارك الكذب ولو كان مازحًا، وبيت في الجنة لمن حسن خلقه، يكظم الغيظ ويعفو عن الناس والله يحب المحسنين. فيهم من أطعم الطعام، وأفشى السلام، وصلى بالليل والناس نيام، خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى. جنة ربي لكل أواب حفيظ من خشي الرحمن بالغيب وجاء بكل قلب منيب. عيون تبكي من خشية الله، وعيون تحرس في سبيل الله، يخافون من ربهم يومًا عبوسًا قمطريرًا، فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرًة وسرورًا، وجزاهم بما صبروا جنة وحريرًا.

الله أكبر أهل الجنان والغرفات أقوام آمنوا بالله وصدقوا المرسلين: وَقَالُواْ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى هَدَانَا لِهَـٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا ٱللَّهُ لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبّنَا بِٱلْحَقّ وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الأعراف :43].

ألا هل من مشمر إلى الجنة يا عباد الله قولوا كما قال أصحاب رسول الله : نحن المشمرون إن شاء الله.

اللهم إنا نسألك رضاك والجنة ونعوذ بك من سخطك والنار، اللهم إنا نسألك الجنة وما يقرب إليها من قول وعمل، ونعوذ بك من النار وما يقرب إليها من قول وعمل.

اللهم إنا نسألك نعيمًا لا ينفد وقرة عين لا تنقطع، ولذة النظر إلى وجهك الكريم والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، استجب اللهم يا رب العالمين.




[1] صحيح، أخرجه البخاري: كتاب تفسير القرآن – باب عتل بعد ذلك زنيم حديث (4918)، و(6072) و(6657)، ومسلم: كتاب البر والصلة والآداب – باب فضل الضعفاء والخاملين، حديث (2622)، وانظر سنن الترمذي (3854)، وسنن ابن ماجه (4115).

الخطبة الثانية

 

الحمد لله، رضي من عباده اليسير من العمل، وتجاوز لهم عن الكثير من الزلل، وخص من شاء بهدايته وتوفيقه نعمة منه وفضلا. أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله لا الله وحده لا شريك له شهادة مؤمن بها آخذ بمقتضاها قولاً وعملاً. وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله رحمة العالمين، وقدوة السامعين وحجة السالكين، لا نبتغي إلى السعادة بغير طريقه أملاً.

صلى الله وسلم  وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فقد سأل الصحابي الكريم الفقيه بالحلال والحرام ومبعوث رسول الله في التعليم والقضاء والفتيا معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: ((قلت: يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار ؟ قال: لقد سألت عن عظيم وإنه يسير على من يسره الله عليه؛ تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت. ثم قال: ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جُنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل. ثم تلا: تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [السجدة:16-17]. ثم قال: ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ قلت: بلى يارسول الله. قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله. ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا نبي الله. فأخذ بلسانه وقال: كف عليك هذا. قلت: يانبي الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به. فقال: ثكلتك أمك يا معاذ؛ وهل يكب الناس على وجوههم ـ أو قال: على مناخرهم ـ إلا حصائد السنتهم))[1].

أيها الإخوة، هذه هي الجنة، هذا هو سبيلها فهل رأيتم أشد غبنـًا ممن يبيع الجنان العالية بحياة أشبه بأضغاث أحلام، يبيع الفردوس بدنيا قصيرة وأحوال زهيدة مشوبة بالنقص ممزوجة بالغصص. حياة حقيرة؛ إن أضحكت قليلاً أبكت كثيرًا، وإن سرت أيامًا أحزنت دهورًا، أي سفه وأي عته ممن يبيع مساكن طيبة في جنات عدن بأعطان ضيقة وخراب بور؟!! فيا حسرة هذا المتخلف حين يعاين كرامة الله لأوليائه وما أخفى لهم من قرة أعين فلسوف يعلم أي بضاعة أضاع!! فاتقوا الله رحمكم الله، وبادروا وشمروا، واعملوا وأحسنوا وأبشروا.



[1] صحيح، أخرجه أحمد (5/231)، والترمذي: كتاب الإيمان – باب ما جاء في حرمة الصلاة، حديث (2616)، وقال: حديث حسن صحيح. وابن ماجه: كتاب الفتن – باب كف اللسان في الفتنة، حديث (3973)، وصححه الحاكم (2/412-413).

محامد و أدعية طباعة الخطبة بدون محامد وأدعية 

إلى أعلى

إذا كانت لديك أية ملاحظات حول هذه الخطبة، إضغط هنا لإرسالها لنا.

كما نرجو كتابة رقم هذه الخطبة مع رسالتك ليتسنى لنا التدقيق وتصويب الأخطاء

 
 

 2004© مؤسسة المنبر الخيرية للمواقع الدعوية على شبكة الإنترنت، جميع الحقوق محفوظة

عدد الزوار حالياً