.

اليوم م الموافق ‏15/‏ذو القعدة/‏1440هـ

 
 

 

وإنك لعلى خلق عظيم

3204

سيرة وتاريخ

الشمائل

عكرمة بن سعيد صبري

القدس

15/3/1424

المسجد الأقصى

محامد و أدعية طباعة الخطبة بدون محامد وأدعية 

ملخص الخطبة

1- حملة مضللة على الإسلام ونبيه. 2- النبي رحمة للعالمين. 3- انتشار الإسلام رغم عظم الكيد والمؤامرات. 4- المؤامرة على فلسطين والأقصى.

الخطبة الأولى

أما بعد: فيقول الله عز وجل في سورة التوبة: يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوٰهِهِمْ وَيَأْبَىٰ ٱللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ [التوبة:32]، ويقول سبحانه وتعالى في سورة الصف: يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوٰهِهِمْ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ [الصف:8]، صدق الله العظيم.

أيها المسلمون، يا أحباب محمد عليه الصلاة والسلام، لا تزال الحملة المسعورة الحاقدة ضد نبي الإسلام محمد عليه الصلاة والسلام وضد القرآن الكريم دستور المسلمين، أقول: لا تزال هذه الحملة قائمة غير قاعدة، فخلال الأسبوع الماضي وزعت مجموعة مشبوهة نشرات تضمنت افتراءات وأباطيل وأكاذيب وإشاعات استهدفت نبي الهدى والرحمة خاتم الأنبياء والمرسلين محمداً عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، هذه المجموعة المشبوهة تنتمي لما يسمى بمعهد عمواس للدراسات الذي مقره مدينة الناصرة، وهو امتداد لحركة المبشرين الإنجيليين المقربين من الرئيس الأمريكي الحالي.

أيها المسلمون، يا أتباع محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، إن هؤلاء الحاقدين قد اغتاظوا من كتاب صدر لأحد المستشرقين بعنوان أعظم مائة شخصية مؤثرة في التاريخ، ومؤلف هذا الكتاب قد صنف النبي محمداً صلى الله عليه وسلم الأول والأعظم من بين أولئك المائة العظماء، فلم يرق لهؤلاء الموتورين ما ورد في هذا الكتاب من تكريم وتبجيل لسيد الأنام محمد عليه الصلاة والسلام، فتناولوا في نشراتهم المسومة كيل الاتهامات الباطلة غير الموضوعية بحق هذا النبي الكريم.

أيها المسلمون يا خير أمة أخرجت للناس، إن هؤلاء المبشرين العدوانيين لا يدركون بأن الله رب العالمين قد أكرم هذا النبي الأمين بأن رفع ذكره في العالمين بقوله في سورة الانشراح: وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ [الشرح:4]، وأنه عليه الصلاة والسلام قد أرسله الله رحمة مهداة للعالمين بقوله عز وجل في سورة الأنبياء: وَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ إِلاَّ رَحْمَةً لّلْعَـٰلَمِينَ [الأنبياء:107]، وأن الله سبحانه وتعالى قد اصطفى محمداً صلى الله عليه وسلم من بين خلقه ورسله ليحمل هذه الأمانة العظيمة والرسالة الخالدة إلى البشرية جمعاء، في كل زمان ومكان.

أيها المسلمون، يا أحباب المصطفى عليه الصلاة والسلام، كيف يوصف نبينا بالقاتل والمعتدي والإرهابي وهو الذي دعا بالهداية لأهل الطائف الذين آذوه واعتدوا عليه وقذفوه بالحجارة، حتى أدموا قدميه الشريفتين، وحينما لجأ عليه الصلاة والسلام إلى كرم العنب، ودعا دعاءه المشهور الذي بدأه بقوله: ((اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس))[1]، حينئذ نزل جبريل عليه السلام وقال له: إن أردت أن يطبق الله الأخشبين (أي الجبلين) على أهل الطائف لفعل، فماذا كان جواب الرسول صاحب القلب الكبير؟ قال: ((اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون))[2] لقد طلب لهم الهداية ولم يطلب معاقبتهم على أفعالهم المنكرة، فنزل قوله تعالى: وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4].

أيها المسلمون، يا خير أمة أخرجت للناس، كيف يوصف نبينا بالقاتل المعتدي والإرهابي، وهو الذي عفا عن أهل قريش يوم الفتح الأعظم فتح مكة، في السنة الثامنة للهجرة، فقد قال عليه الصلاة والسلام لأهل مكة : ((ماذا تظنون أني فاعل بكم؟)) قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم، فقال قولته المشهورة صاحب القلب الكبير: ((اذهبوا فأنتم الطلقاء))[3]، فقد أعلن عليه الصلاة والسلام العفو العام عن أهل قريش الذين عادوه وخاصموه مدة واحد وعشرين عاماً، فحين دخل مكة لم يقتل أحداً، لم يعتقل ولم يبعد لم يبنِ سجوناً ولا معتقلات، لم يعذب المواطنين في الزنزانات، لم يهدم بيتاً، لم يشرد أسرة، لم يقطع طريقاً، لم يقلع شجرة، لم يصادر ولم يحتل أرضاً، لم يمنع المصلين من الصلاة، وإن السيرة النبوية المطهرة حافلة بآلاف المواقف الرحيمة والإنسانية غير العدوانية، بعيداً عن الحقد والغطرسة والتسلط، مع المسلمين وغير المسلمين.

أيها المسلمون، يا أحباب محمد عليه الصلاة والسلام، إن هؤلاء الحاقدين الذين يحاولون التطاول على الإسلام وعلى نبيه إنما ينكرون الوحي وينكرون النبوة، وهم في حقيقتهم يتطاولون على جميع الأنبياء والمرسلين من حيث يشعرون أو لا يشعرون.

أيها المسلمون، يا خير أمة أخرجت للناس، إن الحركات التبشيرية الصليبية المشبوهة تحاول أيضا محاكاة وتقليد القرآن الكريم، وهيهات هيهات لأساليبهم الهابطة الحاقدة، فإن الله عز وجل قد تكفل بحفظ القرآن الكريم وبحفظ اللغة العربية بقوله: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ [الحجر:9]، وإن القرآن الكريم هو الكتاب الوحيد في الكون كله، الذي سلم من التغيير والتحريف والزيادة والنقصان، فإن المحاولات الفاشلة سابقاً ولاحقاً بتقليد أسلوب القرآن الكريم لم تؤثر على القرآن كما لم تؤثر على أهل القرآن، فإن أهل القرآن له حافظون إن شاء الله، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

وبالرغم من الضعف والفرقة والاختلاف بين المسلمين في هذه المرحلة التاريخية إلا أن القرآن الكريم قد سجل الرقم القياسي انتشاراً في العالمي كله، كيف لا والقرآن الكريم هو المعجزة الكبرى للنبي محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.

ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة فيا فوز المستغفرين.




[1] رواه الطبراني في معجمه، قال الهيثمي: وفيه ابن إسحاف، وهو مدلس ثقة، وبقية رجاله ثقات، مجمع الزوائد 6/35، وذكره الألباني في سلسة الأحاديث الضعيفة (2933)

[2] لم اجده.

[3] أخرجه ابن إسحاق كما في السيرة النبوية (4/412) فقال: "حدثني بعض أهل العلم أن رسول الله قام على باب الكعبة فقال:..." فذكره في حديث طويل، وهذا سند معضل، وروي عن قتادة السدوسي مرسلاً، أخرجه الطبري في تاريخه (2/161) من طريق ابن إسحاق.

 

الخطبة الثانية

نحمد الله رب العالمين حمد عباده الشاكرين الذاكرين، ونصلي ونسلم على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، صلاة وسلاماً دائمين إلى يوم الدين.

اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.

أيها المسلمون، يا أبناء أرض الإسراء والمعراج، صادفت أمس الخميس ذكرى النكبة نكبة عام 1948التي لم ولن تنسى من ذاكرة أهل فلسطين بخاصة، والأمة الإسلامية بعامة، وقد واكب هذه الذكرى المؤلمة في هذا الأسبوع أمور ساخنة لها علاقة مباشرة بها:

أولاً: بشأن حق عودة اللاجئين، فقد أقيمت في هذه الأيام عدة اجتماعات بحثت فيها مواضيع حول حق اللاجئين في العودة إلى ديارهم، وللتأكيد على هذا الحق الشرعي، وللرد على الذين ينادون بالتعويض، وللرد أيضاً على الاقتراح الذي يتضمن عودة اللاجئين إلى مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية فقط،لا بد في هذا المقام من توضيح الحكم الشرعي إزاء هذا الموضوع بأنه لا يجوز شرعاً أخذ التعويض عن أرض فلسطين، لأن التعويض يأخذ حكم البيع، والبيع ـ كما هو معلوم بداهة ـ غير جائز شرعاً، ويُخرج عن الملة، وما ينطبق على الأفراد، فإنه ينطبق على الدول والحكومات.

ثم إن الميراث الشرعي هو أن يأخذ الابن ما تركه والده، فلا يحق لأي شخص أن يتكلم باسم الوارث الشرعي، ومعلوم أيضاً أن الحق الشرعي لا يسقط بالتقادم ما دام وراءه مطالب.

ثانياً: بشأن السيادة على الأقصى والمقدسات الإسلامية، إن هذا الموضوع مرتبط بأمر إيماني عقدي، بالإضافة إلى كونه أمراً تعبدياً، فهذا الموضوع لا مجال للاجتهاد فيه، لأنه منصوص عليه سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلاْقْصَى ٱلَّذِى بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ ءايَـٰتِنَا إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلبَصِيرُ [الإسراء:1]، صدق الله العظيم.

فالذي يزعم بأنه لا سيادة لأحد على الأقصى وعلى المقدسات الإسلامية، قد خالف مخالفة صريحة القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وإن هذا الزعم مردود على صاحبه، ولا يمثل وجهة نظر ولا اجتهاداً سائغاً، لأن الأمور الإيمانية والتعبدية لا تخضع للاجتهاد ولا للمساومة ولا للمفاوضة ولا للتكتيك، كما ونرفض ونستنكر التصريحات التي أدلى بها وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي أمس الخميس بشأن إعادة زيارة الأقصى لغير المسلمين، فإن إدارة الأقصى شأن إسلامي، وإن السيادة على الأقصى للمسلمين وحدهم، فالأوقاف الإسلامية هي صاحبة الصلاحية والاختصاص، وإن وسائل الأعلام في العالم قد أعطت هذا الموضوع حقه أمس واليوم، ونستنكر ما تقوم به الشرطة الإسرائيلية الآن من منع المصلين الذين تقل أعمارهم عن أربعين عاماً، وهذا حرمان ما بعده حرمان، وإن هذه الإجراءات باسم الأمن هي مخالفة صريحة لأحكام ديننا الحنيف.

ثالثاً: بشأن اعتقال خمسة عشر قيادياً في الحركة الإسلامية في الخط الأخضر، ينبغي أن نؤكد بأن الشعب الفلسطيني بغض النظر عن تواجده يمثل أسرة واحدة، وأن هذا الشعب هو جزء من الأمة الإسلامية.

نعم، إن الظروف القاسية القاهرة قد فرضت التشتت على الشعب الفلسطيني، ولكن رابطة الإيمان تجمعهم جميعاً، فلا غرابة أن يقبل إخوتنا في الخط الأخضر لنجدتنا وللوقوف إلى جانبنا، فهو أمر قد أوجبه الإسلام، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ((المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً))[1]، وإن إخوتنا في الخط الأخضر قد قاموا بأعمال رائعة في المجال الديني والاجتماعي والإنساني، ونتساءل هل إعمار الأقصى وترميمه وزيارته والصلاة فيه أصبح تهمة ومخالفة قانونية؟ هل رعاية الأيتام أصبحت إرهاباً؟ إن إعمار بيوت الله هو أمر واجب شرعاً، وكما هو معلوم أن الأقصى لجميع المسلمين في أرجاء المعمورة وإن أولى الناس بترميمه وإعماره وزيارته هم أقرب الناس موقعاً وإقامة وموطناً له.

ثم إن ديننا الإسلامية العظيم قد حث على رعاية الأيتام، فيقول رسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم: ((أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا))[2] وأشار بالسبابة والوسطى وفرّج بينهما.

ولم يطلب منا ديننا الحنيف أن نسأل عن والد اليتيم، هل هو شهيد أم استشهادي أم غير ذلك؟

ومن على منبر المسجد الأقصى المبارك وباسم المصلين في هذا المسجد، نعلن وقوفنا إلى جانب إخوتنا في الخط الأخضر، فهم منا، ونحن منهم، ونحن على يقين أن إخوتنا في الخط الأخضر سيستمرون في إعمارهم للأقصى المبارك، من خلال مشروع البيارق ومشروع شد الرحال، وسيستمرون في أعمالهم الاجتماعية والخيرية والإنسانية.

الثبات الثبات يا أهل فلسطين أينما وجدتم، ولن يتخلى الله عنكم ما دمتم معه، ولن يتِركم أعمالكم، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.



[1] رواه البخاري (467) ، ومسلم (2585).

[2] رواه البخاري في صحيحه (6005) كتاب الأدب.

 

محامد و أدعية طباعة الخطبة بدون محامد وأدعية 

إلى أعلى

إذا كانت لديك أية ملاحظات حول هذه الخطبة، إضغط هنا لإرسالها لنا.

كما نرجو كتابة رقم هذه الخطبة مع رسالتك ليتسنى لنا التدقيق وتصويب الأخطاء

 
 

 2004© مؤسسة المنبر الخيرية للمواقع الدعوية على شبكة الإنترنت، جميع الحقوق محفوظة

عدد الزوار حالياً