الحمد لله الهادي إلى الصراط المستقيم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين ومن اقتدى واهتدى بهداهم إلى يوم الدين.
وبعد:
أيها المسلمون، المعركة بين الإسلام وأعدائه قديمة جديدة وَلاَ يَزَالُونَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ [البقرة:217]، يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوٰهِهِمْ وَيَأْبَىٰ ٱللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ [التوبة:32].
لقد وجه أعداء الإسلام سهام حقدهم على الإسلام ونبيه عليه الصلاة والسلام من خلال نشر إحدى الصحف الأمريكية رسماً للنبي عليه الصلاة والسلام وهو يقود شاحنة محملة بالمتفجرات والصواريخ، وقد سبق هذه الإساءة المتعمدة لشخص النبي عليه الصلاة والسلام وللدين الإسلامي الحنيف إساءات كثيرة صدرت عن إعلاميين وقساوسة متصهينين، وإن دلت هذه الإساءة على شيء فإنما تدل على حقد أصحابها على الإسلام ونبيه وأهله، كما وتنم عن عنصرية أصحابها وكراهيتهم لهذا الدين الحنيف، من خلال الإساءة لنبينا عليه الصلاة والسلام.
كما ترسخ هذه الإساءات صوراً نمطية سلبية عن الإسلام والمسلمين، مما يجعل شعوب العالم في صراع وتصادم مع الإسلام وأهله بدلاً من الالتقاء معهم، وهذا ما يخدم مخططات الجهات المعادية التي تشن حملة ظالمة على الإسلام والمسلمين، لتأليب شعوب العالم وتأليبه ضد هذا الدين وأهله، والله يقول: إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُواْ لَكُمْ أَعْدَاء وَيَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِٱلسُّوء وَوَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ [الممتحنة:2].
أيها المسلمون، يا إخوة الإيمان في كل مكان، إزاء هذه الحملات المعادية للإسلام ونبيه، عليه وعلى رسل الله الصلاة والسلام، لا بد من نهوض الأمة للذود عن دينها ونبيها وأرضها وشعوبها، خاصة وأن المنطقة الإسلامية أصبحت على حافة هاوية حرب مدمرة لا تستهدف العراق وحده، بل تستهدف المنطقة بأسرها في مخطط خبيث، يعيد رسم خارطة المنطقة وسط أطماع المستعمر الغازي الذي لا يسمع من حكام المنطقة رفضاً لخططه أو عدم تعاون معه، مع أنه من المعلوم من الدين بالضرورة حرمة موالاة الكافر أو معاونته في قتل المسلمين واحتلال أرضهم.
كما لا زالت شعوب المنطقة في حيرة من أمرها، بين بطش الحكام وخوف الأعداء.
إن هذا الموقف السلبي لم يعد مقبولاً من حاكم أو محكوم في دنيا المسلمين، مما روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: يا أيها الناس إنكم لتقرؤون هذه الآية وتضعونها على غير موضعها يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ [المائدة:105]، وإني سمعت رسول الله صلى الله علي وسلم يقول: ((إن الناس إذا رأو الظالم فلم يأخذوا على يديه، أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه))[1] نعوذ بالله من عقاب الله.
أيها المسلمون، يا إخوة الإيمان في كل مكان، أليس من الهوان أن تخرج شعوب كثيرة من الدول الأوروبية في مظاهرة ضد الحرب المنتظرة على العراق، ولا تخرج شعوب العرب والمسلمين في مظاهرات ومسيرات مماثلة تعبر عن رفضها لهذه الحرب العدوانية، وتعلن موقفها من المعتدين والمتواطئين معهم في عالم المسلمين.
لقد آن الأوان لهذه الأمة التي تسام الضيم على يد أعدائها وتجلد بسياط حكامها أن تنفض عن نفسها غبار الهزيمة، وأن تكسر قيد اليأس والخوف والتردد وتعتصم بعروة الله الوثقى، التي صلح عليها أمر هذه الأمة، ولا صلاح لآخرها إلا باتباعها.
وصدق الله العظيم: أَفَحُكْمَ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْماً لّقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائد:50]، وَأَنَّ هَـٰذَا صِرٰطِي مُسْتَقِيمًا فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذٰلِكُمْ وَصَّـٰكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام:153].
أيها المسلمون، يا أبناء ديار الإسراء والمعراج، إزاء هذه الظروف العصيبة التي تعصف بالمنطقة، وتحمل في طياتها مخاطر كثيرة، تمس قضيتنا ووجودنا فوق هذه الأرض المقدسة المباركة، وإزاء اشتداد الهجمة العدوانية على أبناء شعبنا، فكل يوم نشيع الشهداء ونداوي الجرحى، وتهدم البيوت، وتغلق المدن، وتحاصر القرى ويفرض حظر التجول، ولا يمكن للجريح أن يصل إلى المشفى، أيها الإخوة الكرام، إزاء هذا كله لا بد من المزيد من الصبر والثبات والرباط، والتعاون على الخير، والارتفاع إلى مستوى المسؤولية، التي تصون الحق، وتبقي على وحدة الصف والموقف والكلمة، واعلموا أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً.
ولقد أصاب القائل:
ولرب نازلة يضيق بها الفتى ذرعاً وعند الله منها المخرج
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فرجت وكنت أظنها لا تفرج
[1] أبو داود (ح4338). الترمذي (ح2168). أحمد (ح30). وصححه الألباني في صحيح أبي داود(3644).
|