وبعد:
فحينما يدلهمُّ الظلال، ويحلولك سواد الليل، وتجف الحلوق، وينتشر الخوف، تتناثر الأنظار لتبحث عن بارقة ضوء، ووميض أمل، لعله يعيد الضياء، مقرباً بزوغ الفجر، وعسعسة الصباح.
عباد الله، هذه الخطبة تأتي في هذا الوقت، الذي اشتد سواد ليله، ليتلمس الناس معالم فجر صباح بداية النهاية لأمريكا الصليبية النصرانية.
عباد الله، الحديث عن بداية النهاية، عن هذه الدولة التي تمادت في الطغيان، يمكن من خلال ثلاثة محاور:
أولها: المحور الشرعي.
والمحور الثاني: فهو المتعلق بأحوالها الداخلية.
أما المحور الثالث: فهو محور هذه الأحداث والعدوان الواقع على أفغانستان والمسلمين، وهو المحور الذي سأقتصر عليه في هذه الخطبة بمشيئة الله تبارك وتعالى، وأرجو أن ييسر الله لي، أو لبعض الإخوة من الدعاة وطلبة العلم الحديث عن المحورين السابقين.
الصلب جاؤوا هادمين لديننا بدؤوا بشعب الله في الأفغان
مستضعفين أقـــلة لكنهم كثـر بنور الحـق والإيمان
وقفوا أمام الروس وقفة هادر لله در شـوامـخ الشجعـان
أطفالهم وشيوخهم ونسـاؤهم حملوا اللواء بقــوة الشبان
الحاقــدون تجمعوا لقتالهم هيهات يهـزم فتية الرحمن
أيها الإخوة، قبل الشروع في الحديث عن عوامل بداية النهاية لأمريكا، من خلال هذه الحرب، لا بد من بيان بعض الأمور الهامة التي تساعدنا كثيراً في فهم ما يجري، بل إنه لا يمكن أن ندرك هذه الحقيقة أعني انطلاق بداية النهاية لهذه الدولة, إلا بفهم هذه المقدمات:
المقدمة الأولى: في سابق الزمن، كانت الحروب بين القوى حروباً عسكرية بالدرجة الأولى، فالنصر يتحقق حينما تدحر جيوش دولة، دولة أخرى، أما الآن وبعد هذا التقدم التقني الهائل، والتداخل بين جوانب الحياة، لم يعد الصراع بين الأمم مقتصراً على الصراع العسكري المسلح، بل انتقل العالم إلى ما يعرف بصراع الحضارات، حيث لا بد لأحد الطرفين من الانتصار على الآخر في عدة جوانب حتى يقال: إن النصر كان حليفه.
وعليه فإننا حينما نتحدث عن بداية النهاية لأمريكا، فإن ذلك لا يعني بالضرورة هزيمتها العسكرية على المدى القريب، فالهزيمة العسكرية في إحدى المواجهات، لا يعني بالضرورة خسارة المعركة برُمتها، بل قد يكون ذلك مجرد حلقة واحدة من حلقات صراع طويل لا يمكن تحديد المنتصر فيه إلا بالنظر إلى جميع السلسة.
إذا تقرر هذا علم أن النصر الحقيقي والشامل لا يتحقق إلا بعمل دؤوب متزن متكامل طويل النفس، لا بمجرد أعمال عسكرية متناثرة لم تدرس نتائجها جيداً.
الثانية: وهي أن الحالة التي وصلت إليها الأمة من الهزيمة المعنوية اشترك في صنعها جميع فعاليات الأمة، بدءاً من جيوشها العسكرية، ومروراً بقادتها وحكامها، وانتهاء بأصغر أفراد الشعب، نعم كلٌ يختلف في القدر الذي يتحمله من هذه المسؤولية، فمسؤولية الحاكم ليست كمسؤولية المحكوم، ومسؤولية العالم ليست كمسؤولية العامي، لكن على كلٍ شيء من وزر هذه الهزائم إلا من قام بواجبه، وقليلٌ ما هم.
عباد الله، إن إيماننا بهذه الحقيقة يضعنا أمام حقيقة أخرى، إلا وهي أن الإصلاح مسؤولية الجميع، فكما أن الجميع اشترك في صنع الهزيمة، فلا بد أن يشترك الجميع في صنع النصر.
ثالثاً: هذا الذل الذي تعيشه الأمة في هذه الأيام ليس وليد شهر أو شهرين، ولا سنة ولا سنتين، بل هو وليد عشرات السنين، رعت هذا الذل حتى أصبح إرثاً ثقيل الحمل، ورثناه ممن سبقنا، وسنورثه لمن بعدنا إن لم نقف أمامه وقفة شجاعة تنهي وجوده، وتوقف تداوله بين أجيال الأمة.
يا أمــة طـال الطريق بها وأصابها في نهجها خلل..!!
يا أمةً ترجــو النجاح وفي أعضائهـا تتسابق العللُ..!!
ماذا أصاب العزمَ هل حفروا قبراً له أم هدّــَهُ شللُ..!!
رابعاً: إن سقوط أمريكا المعادية للمسلمين والمتسلطة على رقاب الغير، لن يكون إلا على يد المسلمين، فإن جميع الحضارات المعاصرة قد عجزت وستعجز عن مقاومة الهيمنة الأمريكية، ولن يقف في وجه الزحف الأمريكي إلا الحضارة الإسلامية، وقد صرح عدد من مفكريهم بهذا.
عباد الله، بعد فهم هذه الحقائق، يسهل علينا أن ندرك معالم بداية نهاية أمريكا كدولة صليبية نصرانية.
أيها الإخوة، إن الحديث عن بداية النهاية لراعية الصليبية في العالم ضروري جداً في هذه المرحلة، حتى ندرك حجم الفرصة التي بين أيدينا، فنعمل كل ما في وسعنا حتى نستغلها، ونحسن التعامل مع الحدث، ونستثمره في صالح قضايانا العادلة، ولعل ذلك يكون أيضا حافزاً للعمل الجاد.
عباد الله، إنها والله مسؤولية، وكأني والله أرى أن الامتحان الأكبر في هذه الأزمة ليس من جهة الضربات العسكرية التي تواجهها الأمة، بل من جهة الخير الذي فتح على هذه الأمة بهذه الأزمة، والله عز وجل يقول: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ ٱلْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [الأنبياء:35].
إن شحذ العزائم وبعث الأمل في النفوس وبيان مواطن القوة، وإظهار مواطن قوة الذات، وبيان مواطن ضعف العدو وخلل بنيانه، واجب، وضروري لرؤية ملامح ومعالم طريق النصر، وهو ما نريده في هذه الخطبة.
المعلم الأول: أيها الإخوة، إن استقراء التاريخ، يقطع بأن المسلمين الصادقين لا يمكن أن يهزموا في المواجهات العسكرية مع أي جهة من الجهات مهما بلغ عتادها وقوتها، ومهما بلغت قلة المسلمين، هذا على مستوى الحرب، نعم قد تنالهم هزيمة مرحلية، لكن النصر سيكون حليفاً لهم في نهاية الأمر.
كَم مّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةً بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ [البقرة:249].
وقال الرسول كما في حديث ابن عباس: ((خير الصحابة أربعة، وخير السرايا أربع مائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن يغلب اثنا عشر ألفاً من قلة)) رواه أبو داود والترمذي، وهو حديث صحيح.
وعليه، فإن المسلمين الصادقين لم يخشوا يوماً ما نزال العدو، وكانوا يتسابقون إلى الشهادة في سبيل الله، وما من أمة سرى في جسد أبنائها حب الموت في سبيل مبادئها إلا كان النصر حليفها وإن طال بها الزمن.
والأمر بالضد كذلك، فما من أمة تركت التضحية بالنفس والمال والغالي والرخيص في سبيل مبادئها إلا كتب عليها الذل، وضرب عليها الهوان، ومصداق ذلك قول الرسول كما في حديث ابن عمر عند أبي داود: ((إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ وَتَرَكْتُمْ الْجِهَادَ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ)).
وكما قال أبو بكر الصديق لسيف الله المسلول خالد بن الوليد في حروب الردة: (احرص على الموت توهب لك الحياة).
وقد أجمع العقلاء من كل ملة ونحلة أن الحياة لا توهب بالحياة
درب المعالي شائك ومخضب راي الجــهاد عظيمة الصفحات
أيها المؤمنون، بعد انتهاء ما يسمى بالحرب الباردة لم يبق أمام أمريكا إلا عدو واحد هو الإسلام، ولم يكن حصار أمريكا للعالم الإسلامي خارجياً فقط، بل نجحت أمريكا في الإختراق الثقافي العقدي من داخل المسلمين، وكان هذا أخطر أسلحتها وأشدها فعالية وفتكاً.
وأمام هذا أُسقط في يد كثير من الدعاة، فلم يقتصر حصارهم ومنعهم من أداء مهمته على الأنظمة، بل شاركهم في هذا الحصار ثلل من عامة الناس والرعاع.
كان الدعاة يوصفون بضيق الأفق والانغلاقية ومحدودية التفكير، حينما يجأرون خوفاً من استعمار جديد يجتاح عقيدة الأمة، تارة تحت غطاء الاقتصاد، وتارة تحت غطاء الديموقراطية، وتارة بدون غطاء ولا ستر.
كان الدعاة يواجَهون بالسخرية والازدراء حينما يطالبون الأمة بتوحيد الصف، ونبذ الفرقة بشتى صنوفها.
كان الدعاة يلمزون بالإرهاب حينما يدعون الناس للعمل بما تمليه عليهم عقيدة الولاء والبراء، مثل التخلص من ولائهم للغرب النصراني.
كل هذا ولا مجيب ولا مستجيب إلا في دوائر ضيقة محدودة، وكأن الأمة دخلت في سبات عميق، الأمر الذي جعلنا نظن بأن طول العهد بالخنوع والجهل والانغماس في الشهوات يحتاج إلى نيران ملتهبة توقظ هذه الأمة، وتثير مشاعر الخوف من خطر الحريق الداهم، لتتحرك نحو إنقاذ نفسها، بل إنقاذ البشرية كلها.
وهنا تأتي مشيئة الله التي قضت بأن النصر والعاقبة ستكون للإسلام وأهله، فيقدر الله عز وجل بقدره وحكمته أن تهب رياح عاتية لتئز جوانب هذه الأمة، فتولد نيران الحمية للدين، والغضب لانتهاك حرمات الله، والثأر لعزة هذه الأمة المسلوبة.
حدث الغزو الروسي لأفغانستان، وارتكب الروس فظائع خارجة عن التصور، وخرج من رحم هذا الأتون المحرق تجديد لمصطلح الجهاد، وعادت بعض أدبياته للظهور بعد أن كادت أن تكون مجرد تراث أدبي.
ثم جاءت الانتفاضة الفلسطينية الأولى، وأريقت الدماء على جوانب رحلة الصراع هذه، وأنجبت لنا هذه الملحمة فتى عنيداً، اسمه حب المقاومة ورفض الخنوع.
ثم تلى ذلك أزمة الخليج والحرب بين العراق من جهة وحلفائها من جهة أخرى، وخسرت الأمة أنواعاً من المكاسب المادية، لكن الأزمة ساعدت في إحداث تصدع في نظرة المسلمين للغرب، وانبهارهم بعدالته ومثله المدعاة.
عباد الله، ثم يقدر الله بحكمته التي لا تقاربها حكمة، وعلمه الذي أحاط بكل شيء، ورحمته بهذه الأمة التي لا تدانيها رحمة، فيريد تهيئة المسلمين لتداعيات هذا الحدث، فتكون الانتفاضة الفلسطينية الباسلة مرة ثانية، لتعلي صيحات الجهاد، ولتغرس معاني الولاء والبراء، ولتثبت حب المقاومة والاستعلاء على خور النفس، ولتزيد من التصدع في ولاء المسلمين للغرب الصليبي.
فمالكم؟ كلما يهــوي لكم علم فلا يعود هـوى في إثره علم
من قبل ضاعت فلسطين أندلس جرحان يزداد لذعا فيهما الألم
فهل يدوم لنا البيت الحـرام إذا ظلت معاقلنا تغـزى فننهـزم
أحداث متوالية، لكن يبدو أن الأمة ما زالت بحاجة إلى حدث هائل ينفض ما تبقى من المعتقدات البالية الخاطئة، ويعمق الإيمان ببعض الحقائق السابقة.
أيها المؤمنون، ويقدر الله جل وعلا فتجري أحداث يوم الثلاثاء 23 جمادى الآخرة لعام 1422هـ الموافق 11 سبتمبر2001م، فيهتز العالم في حدث فظيع، لا يعادله في الفظاعة إلا الأحداث التي لحقته.
وهنا يشاء الله عز وجل أن تتصرف أمريكا بكل غباء ممزوج بغرور، ليفرز حمقاً لا يمكن أن يوجد في فرد فضلاً عن مجموعة، فضلاً عن دولة بهذا الحجم، إلا لحكمة بالغة أرادها الله جل وعلا.
عباد الله، إن تصرفات أمريكا، التي عقبت الحادث والمتمثلة في مسارعتها لاتهام المسلمين بهذا العمل، ثم دعوتها الصريحة إما معنا أو مع الإرهاب، ثم فلتات اللسان المتعددة التي جرت على لسان أكثر من مسؤول وجهة إعلامية، ثم حشد هذه الأرتال العسكرية الهائلة، كل ذلك بعث رسالة واضحة لجميع المسلمين في كل بقعة من بقاع الأرض أن المقصود بهذه الحرب هو الإسلام والمسلمون.
حاولت أمريكا بكل حيلة إعلامية وغير إعلامية، وكذا حاول حلفاؤها إقناع المسلمين بأن هذا ليس مقصوداً، ولكنها لم تفلح ولن تفلح بإذن الله تعالى.
عباد الله، وعلى إثر هذا تكرست لدى عموم المسلمين، إلا من طبع الله على قلوبهم، القناعة بعداوة أمريكا للمسلمين، ووجهها الصليبي القبيح، وهذا والله أكبر مكاسب هذه الأزمة، التي لم تضعها أمريكا ولا حلفاؤها في حسبانها.
إن أمريكا بهذا الاستعداء الفاضح للمسلمين دقت أول المسامير في نعشها، بل وزادته مسامير أُخر.
أما أولاً: فقد أوصدت في وجهها جُل أبواب الغزو الفكري المسلط على المسلمين، فلن يعد لها القدرة على الامتداد الثقافي الفكري التغريبي، كما كان لها في السابق، وهذا هو أول مكاسب المسلمين.
لقد قامت أمريكا نفسها بتحصين المسلمين ضد وبائها الفكري الثقافي، بصورة عجز عن القيام بها المسلمون والدعاة والمصلحون أنفسهم، وهذا من رحمة الله جل وعلا بهذه الأمة.
فهذا هو أول معالم بداية النهاية للعدو، ألا وهو تحصين الجبهة الداخلية.
اللهم بارك لنا في القرآن، وامنحنا اليقين والإيمان، أقول قولي هذا...
|