.

اليوم م الموافق ‏08/‏شعبان/‏1441هـ

 
 

 

حسن وسوء الخاتمة

1922

الرقاق والأخلاق والآداب

الموت والحشر

سالم بن عبد الكريم الغميز

حائل

جامع العريمضي

محامد و أدعية طباعة الخطبة بدون محامد وأدعية 

ملخص الخطبة

1- خوف الصالحين من سوء الخاتمة. 2- بعض أقوال السلف ساعة الاحتضار. 3- صور من سوء الخاتمة. 4- أسباب سوء الخاتمة.

الخطبة الأولى

أما بعد:

أيها المسلمون: اتقوا الله عز وجل حق تقواه وراقبوه ولا تعصوه.

أيها المسلمون: إن نصيب الإنسان من الدنيا عمره، فإن أحسن استغلاله فيما ينفعه في دار القرار فقد ربحت تجارته، وإن أساء استغلاله في المعاصي والسيئات حتى لقي الله عز وجل على تلك الخاتمة السيئة فهو من الخاسرين، والعاقل من حاسب نفسه قبل أن يحاسب وخاف من ذنوبه قبل أن تكون سبباً في هلاكه.

أيها المسلمون: إنه ينبغي للمؤمن أن يخشى الله عز وجل حق خشيته وأن يعمل بالصالحات وأن يستمر على طاعة الله حتى الممات حتى لا تغلب الوساوس الرديئة على العبد في حال مفارقته الدنيا فيختم له بعمل سيئ عياذاً بالله من ذلك.

والخوف من سوء الخاتمة هو الذي طيش قلوب الصديقين وأرهب أفئدتهم في كل حين – ولماذا لا يخافون من ذلك، والقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، كم سمعنا عمن آمن ثم كفر، وكم رأينا من استقام ثم انحرف، ولذلك كان صلوات الله وسلامه عليه كثيراً ما يردد: ((يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك)).

ولقد ارتد في زمن النبي بعض من آمن فخرج من النور إلى الظلمات.

ولقد كان يشتد خوف السلف الصالح من سوء الخاتمة.

وإذا تأملنا أقوال السلف الصالح عند الاحتضار أخذنا من ذلك العبرة والعظة:

لما حضرت أبا هريرة – رضي الله عنه – الوفاة بكى فقيل: ما يبكيك؟ قال: يبكيني بعد السفر وقلة الزاد وضعف اليقين والعقبة الكؤود التي المهبط منها إما إلى الجنة وإما إلى النار.

ويروى أن عمرو بن العاص – رضي الله عنه – لما دنا من الموت دعا بحراسه ورجاله فلما دخلوا عليه قال: هل تغنون عني من الله شيئاً؟ قالوا: لا: قال: فاذهبوا وتفرقوا عني، ثم دعا بماء فتوضأ وأسبغ الوضوء ثم قال: احملوني إلى المسجد، ففعلوا، فقال: اللهم إنك أمرتني فعصيت وائتمنتني فخنت .. اللهم لا عذر فاعتذر ولا قوي فانتصر بل مذنب مستغفر، ولا مصر ولا مستكبر.

فإذا كان هذا هو حال الصالحين والأبرار فنحن أجدر بالخوف منهم وإنما أمنا لجهلنا وقسوة قلوبنا فنحن أجدر بالخوف منهم فنسأل الله قلوباً خاشعة.

أيها المسلمون: سوء الخاتمة أعاذنا الله منها لا تكون لمن استقام ظاهره وصلح باطنه ما سمع بهذا ولا علم به والحمد لله وإنما تكون لمن كان له فساد في القتل أو إصرار على الكبائر أو إقدام على العظائم أو يكون مستقيماً ثم يتغير حاله ويخرج عن سنته ويأخذ في غير طريقه فيكون سبباً لسوء خاتمته وشؤم عاقبته.

وسوء الخاتمة أيها المسلمون على مرتبتين:

الأولى: أن يغلب على القلب والعياذ بالله شك أو جحود عند سكرات الموت وأهواله فيقتضي ذلك العذاب الدائم وهو أعظم المراتب.

وأما أن يتسخط الأقدار أو يتكلم بالاعتراض أو يجور في الوصية أو يموت مصراً على ذنب من الذنوب.

وأسباب سوء الخاتمة كثيرة نذكر بعضاً منها لعلنا نحذر منها وتعمل بضدها فمن هذه الأسباب:

الشك والجحود الذي تسببه البدعة.

وكم ختم لكثير من البشر بهذا عندما ابتدعوا في دين الله عز وجل وزاغوا وانحرفوا فظهرت حقيقتهم في أول لقاء لهم مع ربهم.

فهذا ابن الفارض الذي كان يقول بحلول الله عز وجل في مخلوقاته عندما احتضر كما قال الأئمة الثقات الذين شاهدوه في حالة الاحتضار نظم أبياتاً من الشعر وهو في تلك الحالة يعبر فيها عن شقوته وعن هلاكه قال ذلك حينما عاين سخط الله  عز وجل، وقل أن يختم لمبتدع في دين الله تعالى بخير نسأل الله العافية والسلام.

ومن أسباب سوء الخاتمة:

التسويف بالتوبة .. وإن من أنجح حيل إبليس التي يحتال بها على الناس التسويف في التوبة فيوسوس للعاصي بأن يتمهل في التوبة، فإن أمامه زمناً طويلاً فليمتع نفسه ولا يشق عليها بالطاعات من الآن، فهذا من بعض مكائد إبليس في التسويف بالتوبة.

قال بعض السلف: أنذركم سوف فإنها أكبر جنود إبليس.

ومن أسباب سوء الخاتمة أعاذنا الله وإياكم منها حب المعصية واعتيادها، فإذا ألِف الإنسان المعصية ولم يتب منها فإن الشيطان يستولي على تفكيره حتى في اللحظات الأخيرة من حياته، فإذا أراد أقرباؤه أن يلقنوه الشهادة ليكون آخر كلامه: لا إله إلا الله، طغت هذه المعصية على تفكيره.

فتكلم بما لا يفيد، وختم له بسوء عياذاً بالله، أفلا يخشى الذين يتركون الصلاة تلو الصلاة ثم يوعظون فلا يستجيبون، ألا يخشى هؤلاء أن يختم لهم بسوء؟ هؤلاء الذين جعلوا مصدر رزقهم غش المسلمين وجلب وتوفير ما يضرهم في دينهم ودنياهم للمسلمين، مع عدم قبولهم للنصح، ألا يخشى هؤلاء وأولئك وغيرهم ممن أصر على المعصية حتى أحبها؟ ألا يخشون أن يختم لهم بسوء؟

هذه بعض أسباب سوء الخاتمة وأنني لأحذر نفسي وإياكم أن يكون فينا سبب من هذه الأسباب وإياكم والتسويف بالاستعداد فإن العمر قصير.

أيها المسلمون: وهناك بعض العلامات الدالة على سوء الخاتمة وهي كثيرة فبعضهم يظهر عليه ذلك عند اشتداد المرض فيقع في التسخط والاعتراض على قضاء الله.

ومنهم من يتلفظ عند احتضاره بكلام يغضب المولى أو يحال بينه وبين كلمة التوحيد، وبعضهم ربما ظهر عليه ذلك عند تغسيله كسواد اللون وغيرها من العلامات.

قال الحافظ بن رجب الحنبلي – رحمه الله -:  قال عبد العزيز بن أبي رواد: حضرت رجلاً عند الموت يلقن الشهادة لا إله إلا الله فقال آخر ما قال: هو كافر بما تقول، ومات على ذلك قال: فسألت عنه، فإذا هو مدمن خمر، وكان عبدالعزيز يقول: اتقوا الذنوب فإنها هي التي أوقعته.

ومنذ سنوات جرت حادثة في بلادنا وحاصلها أن رجلاً في حال احتضاره ظهر عليه من الاعتراض على ربه ما ظهر، فجاء بعض أصحابه ممن كان يصلي معه في المسجد - والله أعلم بما في القلوب - وقال: يا عبد الله هذا المصحف الذي كنت تقرأ فيه فاتق الله، ولقنه كلمة التوحيد، فقال هو كافر بالمصحف وبلا إله إلا الله وختم له على ذلك نعوذ بالله من الخذلان، وقال ابن أبي الدنيا رحمه الله: حدثني أبو الحسن بن أحمد قال: "نزل الموت برجل كان عندنا فقيل له: استغفر الله فقال: ما أريد … فقيل له: قل: لا إله إلا الله، قال: ما أقول ثم مات …".

هذا بعض ما ورد عند الاحتضار. .

أما ما ورد عند التغسيل فكثير جداً من ذلك ما ذكره القحطاني: "لقد جيء بميت فلما ابتدأنا بتغسيله انقلب لونه كأنه فحمة سوداء وكان قبل ذلك أبيض البشرة فخرجت من مكان الغسيل وأنا خائف فوجدت رجلاً واقفاً، فقلنا له: هذا الميت لكم؟ قال: نعم، قال: قلنا: أنت أبوه؟ قال: نعم: قلت: ما شأن هذا الرجل؟ قال: هذا الرجل كان لا يصلي، قلت: فخذ ميتك فغسله" نعوذ بالله من سوء الختام.

اللهم إنا نسألك بأسمائك العلى وصفاتك الحسنى أن تختم لنا بما يرضيك عنا، واجعل اللهم خير أعمالنا خواتيمها وخير ساعاتنا ساعة لقائك، اللهم ثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا والآخرة ولا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا.

أقول ما تسمعون. . .


 

الخطبة الثانية

أما بعد:

أيها المسلمون: اتقوا الله حق تقواه. .

أيها المسلمون: فكما ذكرنا الأسباب المؤدية إلى سوء الخاتمة فيجدر بنا أن نذكر شيئاً من أسباب حسن الخاتمة علنا نأخذ بها.

فأول هذه الأسباب:

تقوى الله عز وجل في السر والعلانية والعمل بطاعة الله والمحافظة على الواجبات والانتهاء عن المنهيات وأن يحذر العبد من الذنوب أشد الحذر فإن الكبائر موبقات، وكثرة الصغائر مع عدم التوبة ران على القلوب قال صلى الله عليه وسلم: ((إياكم ومحقرات الذنوب، إنما مثل محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بطن واد فجاء ذا بعود وجاء ذا بعود حتى حملوا ما أنضجوا به خبزهم، وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه)).

ومن الأسباب المؤدية إلى حسن الختام:

المداومة على ذكر الله عز وجل وشكره، فمن داوم على ذكر الله وختم به جميع أعماله كان آخر ما يقوله من الدنيا: لا إله إلا الله، ونال بشارة النبي صلى الله عليه وسلم، عندما قال: ((من كان آخر كلام لا إله إلا الله دخل الجنة))، ثم ليعلم المسلم أن الدنيا دار ممر وليست دار مقر، فإذا علم ذلك جعل الدنيا في يده لا في قلبه وليكثر من قول: يا مقلب القول ثبت قلبي على دينك.

فاتقوا الله عباد الله واعملوا بطاعة الله واجتنبوا أسباب سخط الله عز وجل وموجبات عقابه.

ألا وصلوا عباد الله على خير خلق الله. .

 

محامد و أدعية طباعة الخطبة بدون محامد وأدعية 

إلى أعلى

إذا كانت لديك أية ملاحظات حول هذه الخطبة، إضغط هنا لإرسالها لنا.

كما نرجو كتابة رقم هذه الخطبة مع رسالتك ليتسنى لنا التدقيق وتصويب الأخطاء

 
 

 2004© مؤسسة المنبر الخيرية للمواقع الدعوية على شبكة الإنترنت، جميع الحقوق محفوظة

عدد الزوار حالياً