.

اليوم م الموافق ‏28/‏محرم/‏1436هـ

 
 

 

الحث على التوبة والتحذير من شؤم المعصية

626

الرقاق والأخلاق والآداب

التوبة

هشام بن عبد القادر عقدة

دمنهور

خالد بن الوليد

محامد و أدعية طباعة الخطبة بدون محامد وأدعية 

ملخص الخطبة

1 – عفو الله عن صغائر الذنوب 2 – كيف تصبح الصغيرة كبيرة 3 – شؤم المعصية لازم لها وقد يتأخر عنها 4 – شؤم المعصية قد يمتد عن العاصي إلى غيره في أفراد المجتمع 5 – الندم على المعصية حين لاينفع الندم

الخطبة الأولى

إخوة الإسلام: كلنا نقع في الذنوب والمعاصي لا يسلم أحد من صغير أو كبير، مع اختلاف وتباين، فمستقل ومستكثر، فمن الناس من يظلم نفسه ظلماً تكفره الصلوات والعبادات والأعمال الصالحة، يقول الله جل وعلا: أقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وأما ظلم العبد نفسه بصغائر الذنوب والمعاصي من غير إصرار فذلك تكفره آيتا النساء والنجم) اهـ يقول الله جل وعلا في سورة النساء: إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلاً كريماً ويقول الله جل وعلا في سورة النجم: الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى .

فالصغيرة التي لا يصر عليها صاحبها هي من هذا اللمم الذي يغفره الله بالصلوات والأعمال الصالحة وبشرط اجتناب الفواحش والذنوب الكبار.. كما اشترطت الآيتان.

وأما دليل شرط عدم الإصرار لمغفرة هذه الصغائر بالصلوات والأعمال الصالحة لأن عموم قوله تعالى في سورة آل عمران: ولم يصروا على ما فعلوا وهو يعلمون أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم .

وهنا أمر ينبغي التفطن له وهو أنه قد يقترن بالصغيرة من قلة الحياء وعدم المبالاة وترك الخوف والاستهانة بها ما يلحقها بالكبائر بل يجعلها في أعلى مراتب الكبائر، وهذا مرجعه إلى ما يقوم في القلب، وهو قدر زائد على مجرد الفعل، والعبد يعرف ذلك من نفسه ومن غيره، ومن كان بالله أعرف كان منه أخوف، ولذلك قال بعضهم: لا تنظر إلى صغر المعصية ولكن انظر إلى عظمة من عصيت.

وقد تشتد غفلة صاحب الذنب حتى إنه ليفرح إذا ظفر بشهوة أو إذا فعل المعصية مما يدل على شدة الرغبة فيها والجهل بعظمة من عصاه والجهل بخطر المعصية وبسوء عاقبتها، فالبعض يظن أنه إذا فعل المعصية فلم يجد أثرها على الفور فإنه لن يجده بعد ذلك كما قال ابن القيم رحمه الله، يزعم بعضهم أن هذا على حد قول القائل:

                         إذا لم يغبِّر حائط في وقوعه              فليس لـه بعد الوقوع غبار

وقد نسي الكثير أن شؤم المعصية يدرك العبد ولو بعد أربعين سنة.

نظر أحدهم نظرة محرمة، نظر نظر شهوة إلى من لا يحل له النظر إليه بشهوة ثم قال لنفسه: لتجدن غبها ولو بعد حين قال: فنسيت القرآن بعد أربعين سنة.

وقد لا يظهر شؤمها إلا في آخر لحظات الحياة على فراش الموت حيث تسوء الخاتمة. قال عبد العزيز بن أبي روَّاد: حضرت رجلاً عند الموت يلقن الشهادة: لا إله إلا الله، فقال في آخر ما قال: هو كافر بما تقول، ومات على ذلك، قال: فسألت عنه، فإذا هو مدمن خمر. وكان عبد العزيز يقول: اتقوا الذنوب فإنها هي التي أوقعته.

ولا يقتصر شؤم المعصية على العبد اللاهي بل يمتد شؤم معصيته على من حوله فيخيم هذا الشؤم على قومه الذين اندس فيهم، ولذا قال تعالى: واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة .

هنا قصة مؤثرة وقعت في بني إسرائيل، وليس فيها ما يخالف شرعنا، فهي مما أذن لنا أن نحكيه عن بني إسرائيل، فقد روي أنه لحق بني إسرائيل قحط – يعني الجدب وامتناع المطر- على عهد موسى عليه السلام، فاجتمع الناس إليه فقالوا: يا كليم الله ادع لنا ربك أن يسقينا الغيث، فقام معهم، وخرجوا إلى الصحراء وهم سبعون ألفاً أو يزيدون، فقال موسى عليه السلام: إلهي، اسقنا غيثك وانشر علينا رحمتك، وارحمنا بالأطفال الرضع والبهائم الرتع والشيوخ الركع، فما زادت السماء إلا تقشعاً والشمس إلا حرارة – ولا حول ولا قوة إلا بالله تعالى-.

فتعجب موسى عليه السلام وسأل ربه عن ذلك فأوحى ربه إليه: إن فيكم عبداً يبارزني أربعين سنة بالمعاصي، فنادِ في الناس حتى يخرج من بين أظهركم، فقال موسى: إلهي وسيدي، أنا عبد ضعيف، صوتي ضعيف فأين يبلغ وهم سبعون ألفاً أو يزيدون؟ فأوحى الله إليه: منك الدعاء ومنا البلاغ، فقام منادياً وقال: يا أيها العبد العاصي، الذي يبارز الله منذ أربعين سنة – بالمعاصي- اخرج من بين أظهرنا، بشؤم معصيتك منعنا المطر، فقام العبد العاصي فنظر ذات اليمين وذات الشمال، فلم ير أحداً خرج، فعلم أنه المطلوب فقال في نفسه: إن أنا خرجت من بين هذا الخلق افتضحت على رؤوس بني إسرائيل، وإن قعدت معهم منعوا المطر من أجلي، فأدخل رأسه في ثيابه نادماً على فعاله وقال: إلهي وسيدي، عصيتك أربعين سنة وأمهلتني، وقد أتيتك طائعاً فاقبلني، فلم يستتم الكلام حتى ارتفعت سحابة بيضاء فأمطرت كأفواه القرب، فقال موسى: إلهي وسيدي، بماذا سقيتنا ولم يخرج من بين أظهرنا أحد؟ فقال: يا موسى سقيتم بالذي منعتكم به –أي الرجل نفسه- فقال موسى: أرني هذا العبد الطائع، فقال: يا موسى إني لم أفضحه وهو يعصيني، أأفضحه وهو يطيعني؟

يـا من إذا وقف المسيء ببابـه         ستـر القبيح وجاد بالإحسان

أصبحت ضيف الله في دار الهنا            وعلى الكريم كرامة الضيفان

ألا ما أعظم فضل الله وحلمه وستره على عبده!

تأملوا أيضاً كيف يؤثر ظلم العبد لنفسه على من حوله.. ألا ما أشبهنا في هذه الحياة براكبي السفينة .. التي تتأثر ويتأثر جميع راكبيها بما يحدثه أحدهم فيها من خرق أو ثقب. .. حتى لتوشك السفينة كلها أن تغرق بفعل واحد فيها.. ونحن ننسى هذا المثال كثيراً في حياتنا فقد ينقد كل واحد منا إخوانه ومجتمعه، وينسى أنه بمعصيته وبذنبه أحد أسباب الشؤم على هذا المجتمع.

وقد ننقد على صعيد آخر دعوتنا ومسيرتها وقادتها في الوقت الذي يفعل كل منا في السفينة ما يحلو له.. وإذا كان كل منا مصرٌ على أن يفعل في السفينة ما يحلو له من نقب وشرخ فلا يسوغ منه أن ينقد قائد السفينة إذا لم يستطع أن يسلك بها المسلك السوي في الأمواج المتلاطمة.

إذن فالمعصية لها شؤمها على الفرد والمجتمع.. والأمر جد خطير فما المخرج إذن حتى لا يدركنا أو لا يستمر بنا هذا الشؤم؟ ومن قبل أن نندم حين لا ينفع الندم؟

المحرج واضح جلي في قوله جل وعلا: وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين ويوم القيامة ترى الذي كذبوا على الله وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوى للمتكبرين وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون .

فالمخرج إذن هو التوبة الصادقة والتوبة النصوح، وكلنا يدعي التوبة وما أكثر ما نتوب ثم نعود، وما أكثر ما نعاهد الله على ترك أمر فنعود إليه أسرع ما نكون.

وقد أمرنا أن نلتمس التوبة على عجل ولا نؤخرها إلى الموت حيث لا تنفع، وما دام الموت متوقعاً في كل لحظة فالتوبة واجبة على الفور قال عز من قائل: إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليماً حكيماً وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذاباً أليماً .

ولهذا فقد دعا الله عباده إلى التوبة في سبعة وثمانين موضعاً في كتابه العزيز، والتوبة كما أنها واجبة على الفور فهي واجبة على الدوام لأن العبد لا يخلو من معصية أو فتور فإنه إن خلا عن المعصية بالجوارح لم يخل عن الهم بالقلب، وإن سلم من الهم بالقلب لم يسلم من ورود الخواطر المذهلة عن ذكر الله عز وجل، فإن خلا عن ذلك لم يخل عن الغفلة عن التذكر في عظمة الله ومدلولات أسمائه وصفاته.. كل ذلك غفلة وانقطاع عن الله يستدعي التوبة.. نعوذ بالله من الانقطاع عنه والغفلة عن عظمته وحقه، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم..


 

الخطبة الثانية

الحمد لله غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير والصلاة والسلام على نبي الرحمة محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد.. فلا بد من التوبة إذن إخوة الإسلام ولا بد من المبادرة إلى ذلك.. لماذا؟

أولاً: لأن الآجال مكتوبة ومجهولة فمنها القصير ومنها الطويل، والموت يأتي بغتة، وتلك المقابر يرقد فيها الطفل الصغير والشاب الوسيم أو الجسيم والشيخ الفاني، فقد يبغت الموت العبد المسلم فلا يأتي الله بقلب سليم.

ثانياً: لأن التوبة طريق الخلاص من تبعات الذنوب، فالذنوب لها تبعات كما أن للمباحات لذات وتبعات، وإذا كانت المباحات تذهب لذاتها وتبقى تبعاتها، فذهاب لذات المعاصي أسرع، وتبعاتها أبقى وأخطر.

وكفى بها تبعة على المذنب شؤم ذنبه عليه وعلى من حوله في الدنيا ثم موعده بعد ذلك الساعة، والساعة أدهى وأمر، ولو لم يكن أمامك أيها المذنب إلا أن يسود وجهك هذا بين يدي الله يوم القيامة لكفى بذلك أمراً مفزعاً وتبعة مهلكة.

ثالثاً: لأن تأخير التوبة يترتب عليه تراكم الذنب على الذنب حتى يكون راناً على القلب وحجاباً ثقيلاً عن الله قد لا يوفق معه صاحبه بعد ذلك إلى توبة أبداً، ووالله إنها للطامة المهلكة العظيمة المخيفة.

رابعاً: يجب عليك الكف عن الذنوب والتوبة منها على الفور، لأنك عبد لله ولست حراً بأن تفعل ما يحلو لك.. فاتباعك لهواك خروج عن مقتضى العبودية لله جل وعلا.

كان بشر بن الحارث شاباً صاحب لهو ولعب ومعصية، وكان ذات يوم مع رفقاء له يشاركونه المجون في داره، وصوت لهوهم وطربهم يخرج من نوافذ الدار فمر على الدار رجل من الصالحين فدق الباب فخرجت إليه جارية فقال لها: صاحب هذه الدار حر أم عبد؟ فقالت: بل حر، قال لها الرجل الصالح صدقت: صدقت! لو كان عبداً لاستعمل الأدب مع سيده وترك اللهو والطرب، فسمع بشر بن الحارث صوت الرجل الصالح فاتجه نحو الباب يسأل: من المتحدث؟ فإذا الرجل قد ولى، فسأل الجارية، فأخبرته بما جرى، فألقى الله في قلب بشر وجلاً من تلك الكلمة فخرج يتبع الرجل الصالح حتى إذا لحقه قال له: أعد عليَّ الكلام، فأعاده الرجل الصالح، فقال بشر: كلا والله بل عبدٌ عبد، ثم هام على وجهه حافياً نادماً على ما كان منه حتى عُرف ببشر الحافي.

فبادر إلى التوبة ولا تيأس أيها العاصي، ولا تغتر أيها الطائع، فإنه قد يسلك بأهل السعادة طريق أهل الشقاوة حتى يقال ما أشبههم بهم، بل هم منهم ثم تدركهم السعادة فتستنقذهم، وقد يسلك بأهل الشقاوة طريق أهل السعادة حتى يقال ما أشبههم بهم، بل هم منهم ثم تدركهم الشقاوة ويختم لهم بسوء.

واعلم أن عاقبة ضلالك أو عاقبة استقامتك لا يعود بشيء منه على الله إنما ذلك عليك أو لك: من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها .

والتوبة الصادقة ليست كلاماً فحسب.. وليست كما يقول بعضهم إذا قيل له: تب إلى الله ودع هذا فإنه لا يحل لك. فيقول: نحن قلوبنا طيبة وسيغفر لنا.

كلا فالقلوب الطيبة هي التي تستسلم للدين.. وتستجيب الإستجابة السريعة.. فالتوبة الصادقة تغيير كلي داخل النفس وفي واقع الحياة، ماذا ستأكل؟ وماذا ستشرب؟ وماذا ستلبس؟ ومتى ستنام؟ ومتى تستيقظ؟ هل ستضيع صلاة الفجر، وإذا ضاعت صلاة الفجر من الإنسان فهو خاسر ويخشى عليه النفاق، لأنه يفتتح يومه بمعصية الله بدلاً من أن يكون في ذمة الله كما جاء في الحديث: ((من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله)).

التوبة تغيير كلي في خط الحياة وتأثر سريع بالموعظة والتذكير، مر عبد الله بن مسعود ذات يوم في موضع من نواحي الكوفة فإذا فتيان فساق قد اجتمعوا يشربون وفيهم مُغَنٍّ يقال له: زاذان يضرب ويغني، وكان له صوت حسن، فلما سمع عبد الله بن مسعود رضي الله عنه صوته، قال: ماأحسن هذا الصوت لو كان بقراءة كتاب الله، فسمع زاذان قوله فقال: من كان هذا؟ قالوا: عبد الله بن مسعود صاحب رسول لله صلى الله عليه وسلم، قال: وأي شيء قال؟ فكرروا عليه الكلام، فقام زاذان وضرب العود في الأرض فكسره، ثم أسرع إلى عبد الله بن مسعود يبكي، فاعتنقه عبد الله بن مسعود ورق له، وجعل كل واحد منهما يبكي، فتاب الشاب إلى الله تعالى ولازم عبد الله بن مسعود حتى تعلم القرآن ثم أخذ حظاً من العلم وتدرج فيه حتى صار فيه إماماً.

فإنه لمن أعظم دلالات صدق التوبة الندم، الندم الذي يجعل القلب منكسراً أمام الله، مخبتاً لذكر الله وجلاً من هول عذاب الله.

إن من تمام صدق التوبة، العودة بالإيمان إلى أعلى درجاته: إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون .

فمن رأى من نفسه أو من غيره وجلاً وإخباتاً وخشوعاً وانقياداً لله بعد توبته فذاك إن شاء الله دليل على صدق التوبة، أما أن يكون الواحد يذنب الذنب فيقول: أستغفر الله بلسانه ولكن جوارحه لا تقلع، وقلبه لا يفتر عن الهم والقصد والتزيين، فذاك قد يصدق عليه الأثر: ((إنما المنافق الذي يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه فقال به هكذا فطار، أما المؤمن فيرى ذنوبه كجبل يوشك أن يقع على رأسه فهو خائف وجل من ذلك)) وإنه لمن رحمة الله بالعبد وإرادته الخير به أن يوفقه للتوبة وأن يحوله إلى عمل صالح يميته عليه، ففي الحديث الصحيح: ((إذا أراد الله بعبد خيراً استعمله، قالوا: كيف يستعمله يا رسول الله؟ قال: يوفقه لعمل صالح قبل الموت ثم يقبضه عليه أي يشغله بطاعة ثم يقبضه عليها)).

كان الفضيل بن عياض في بداية حياته قاطعاً للطريق فخرج ذات ليلة لقطع الطريق فإذا هو بقافلة قد انتهت إليه ليلاً، فقال بعضهم لبعض: اعدلوا بنا إلى هذه القرية، فإن أمامنا رجل يقطع الطريق يقال له الفضيل، فسمع الفضيل كلام الرجل وأخذته رعدة حياء من الله سبحانه وتعالى فنادى على الركب وأضافهم تلك الليلة، وقال لهم: أنتم الليلة آمنون من الفضيل، وخرج يدبر لهم طعاماً ثم رجع فسمع واحداً منهم يقرأ في صلاته بصوت حزين يقطع سكون الليل:  ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهما فاسقون . فتخللت هذه الآية جسد الفضيل وكأن كل جزء من جسده صار أذناً فتنهد وقال: بلى والله قد آن.

فكان هذا مبتدأ توبته إلى الله تعالى. وأراد الله بالفضيل بن عياض خيراً، فسلك طريق العلم والصلاح والتقوى حتى أصبح قاضياً وفقيهاً وإماماً للمسلمين في حرم مكة الشريف وظل طيلة حياته خائفاً وجلاً من القيام بين يدي الله.

قال إبراهيم بن الأشعث: سمعت فضيلاً ليلة وهو يقرأ سورة محمد صلى الله عليه وسلم ويبكي وهو يردد هذه الآية: ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم فجعل يقول اللهم إن بلوت أخبارنا فضحتنا وهتكت أستارنا. اللهم إن بلوت أخبارنا أهلكتننا وعذبتنا.

فتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون واعلموا أن الذنب لا ينسى ولا تظنوا أن شيئاً من الأعمال لا يحصى واعلموا أن لكل حسنة ثواباً وأنا لكل سيئة عقاباً.

فأيقظنا اللهم لتدارك بقايا الأعمار، ووفقنا للتزود من الخير والاستكثار، واعف عنا ما سلف وكان.

محامد و أدعية طباعة الخطبة بدون محامد وأدعية 

إلى أعلى

إذا كانت لديك أية ملاحظات حول هذه الخطبة، إضغط هنا لإرسالها لنا.

كما نرجو كتابة رقم هذه الخطبة مع رسالتك ليتسنى لنا التدقيق وتصويب الأخطاء

 
 

 2004© مؤسسة المنبر الخيرية للمواقع الدعوية على شبكة الإنترنت، جميع الحقوق محفوظة

عدد الزوار حالياً