.

اليوم م الموافق ‏04/‏ذو القعدة/‏1439هـ

 
 

 

الجنة

1279

الإيمان, الرقاق والأخلاق والآداب

الجنة والنار, اليوم الآخر

محمد بن سعد

دمنهور

خالد بن الوليد

محامد و أدعية طباعة الخطبة بدون محامد وأدعية 

ملخص الخطبة

1- الدعوة إلى الأعمال التي تقرب للجنة. 2- وصف بعض من نعيم الجنة ومنازلها. 3- كيف نؤمن بالجنة حقيقة.

الخطبة الأولى

 

أما بعد:

إخوة الإسلام في هذا اليوم العظيم ومن هذا المقام الكريم أتوجه إليكم بهذا الإعلان الهام والنداء العام، إنه دعوة إلى كل من انتسب إلى دين الإسلام، والداعي هو ربنا الرحمن في كتابه العظيم القرآن سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسوله .

وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين .

إنها دعوة مهيبة ورسالة كريمة إلى حيث الراحة والاطمئنان والأمن والأمان والروح والريحان.

دعوة من الله جل جلاله لسكنى دار الخلد وجنة المأوى، صحتك فيها لا تقل ولا تفنى، وثيابك فيها لا تبلى، ووجهك فيها كالنجم في السما أو هو أصفى، وسنك فيه الثلاثة والثلاثين لا يتعدى، والجمال والكمال عليك فيها قد استولى حياتك فيها حياة رضية، وعيشك فيها سعادة أبدية، وأوقاتك فيها أوقات هنية، إنها دعوة تطير النفس في أجوائها وتحلق الروح في سمائها ويستروح القلب في قسماتها بعيدا عن الحياة الدنيا التي أكثر عيشها كدر وصفوها ممزوج بالمرر، إن سعد فيها المرء يوما شقى أياما، وإن تنعم ساعة تألم ساعات بل أعواماً. لا يخلو فيها فرح من ترح، ولا بهجة من حزن، ولا سرور من ألم.

إن كان فيها الإنسان فقيرا تعب في تحصيل قوته وقوت عياله، وإن رزقه المال فيها شقى في حفظه وإنمائه وإن ذاق فيها ما لذ وطاب ضاق بعدها بإخراج فضلاته، فما أحقر نعيم الدنيا الزائف أمام النعيم الحقيقي في الجنة، وما قيمة نعيم الدنيا من نعيم دار يقول الله عز وجل في كرامة أهلها وجزاهم بما صبروا جنة وحريراً متكئين فيها على الأرائك لا يرون فيها شمسا ولا زمهريراً ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلاً ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت قواريراً قوارير من فضة قدروها تقديراً ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا عينا فيها تسمى سلسبيلاً ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤاً منثوراً وإذا رأيت ثَمَّ رأيت نعيما وملكاً كبيراً عاليهم ثياب سندس خضر واستبرق وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شراباً طهوراً إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكوراً .

ها هي ذي الهيئة العامة لجنة الخلود، وتلك هي صورتها المرهفة اللطيفة وظلالها الوارفة الأليفة فأهل الجنة جزاهم الله تعالى بصبرهم عن المعاصي وصبرهم على الطاعات جنة عظيمة يسكنونها، وحريرا جميلا يلبسونه، ثم ها هم يجلسون على الأسرة بين القطوف الدانية والثمار المتدلية يتنسمون هواء مناخ لطيف وأجواء صافية لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا، فالجو حولهم رخاء ناعم في غير حر، ندي لطيف في غير برد، ودانية عليهم ظلالها وذلل الله لهم ثمارها وقطوفها تذليلا. قال مجاهد: إن قام العبد ارتفعت معه الثمار بقدر وإن قعد تذللت له، وإن اضطجع تذللت له، يطوف عليهم الخدم بأنواع من الشراب في آنية من فضة وأكواب صافية كالقوارير الزجاج، وهي بأحجام مقدرة تقديرا يحقق المتاع والجمال وتمزج كؤوس خمرهم بالزنجبيل كما مزجت مرة بالكافور كذلك تملأ من عين جارية في الجنة تسمى سلسبيلا قال مجاهد: سميت بذلك لسلاسة سيلها، وحدة جريها، ويطوف على أهل الجنة الولدان المخلدون لا تزيد أعمارهم ولا يتغيرون، إذا رأيتهم وهم منتشرون يخدمون أهل الجنة وهم صباح الوجوه وضيئو الأوان والحلي والثياب .. حسبتهم لؤلؤا منثوراً وإذا رأيت ثم رأيت نعيماً وملكاً كبيراً أي إذا رأيت يا محمد صلى الله عليه وسلم هناك في الجنة رأيت مملكة لله عظيمة وسلطاناً باهراً، ثم ها هم أولاد أهل الجنة يرفلون وينعمون في ثياب تبعث على النفس البهجة والانشراح فهي ثياب من السندس الأخضر وهو الحرير الرقيق الرفيع أو من الإستبرق وهو الحرير السميك الغليظ. وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شراباً طهوراً إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكوراً .

قال الله عز وجل في حديث قدسي: ((أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر)).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والذين على أثرهم لأشد كوكب دري في السماء إضاءة، قلوبهم على قلب رجل واحد لا اختلاف بينهم ولا تباغض ولا تحاسد، لكل امرئ منهم زوجتان، كل واحدة منهما يرى مخ سوقهما من وراء لحمهما من الحسن، يسبحون الله بكرة وعشيا، لا يسقمون ولا يتمخطون ولا يبصقون، آنيتهم الذهب والفضة، وأمشاطهم الذهب، ووقود مجامرهم الألوة)) أي أعواد البخور.

وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن أدنى مقعد أحدكم من الجنة أن يقول له: تمن فيتمنى ويتمنى فيقول له هل تمنيت؟ فيقول: نعم، فيقول له: فإن لك ما تمنيت ومثله معه)) وقال صلى الله عليه وسلم: ((لو امرأة من نساء أهل الجنة أشرقت لملأت الأرض ريح مسك ولذهب ضوء الشمس والقمر)) ولا يتسع وقت كهذا إخوة الإسلام لذكر أوصاف الجنة وأحوال نعيمها إنما هي تذكرة، فمن شاء ذكره.

وكيف يقدر قدر جنة غرسها الرحمن بيده وجعلها جزاء لأحبابه وملأها برحمته ورضوانه.

فإن سألت عن أرضها وتربتها فهي المسك والزعفران.

وإن سألت عن سقفها فهو عرش الخالق الرحمن.

وإن سألت عن قصورها فمن اللؤلؤ والفضة أو خالص العقيان.

وإن سألت عن أشجارها فثمارها كيفما شئت انتزعت بأسهل الإمكان.

فواكه شتى تنوعت ألوانها وطعومها وتزينت على الأغصان.

وإن سألت عن أنهارها فهاك وصفها من القرآن.

قال تعالى: مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غبر آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم   ومن أعظم نعيم أهل الجنة المتعة بالنظر إلى وجه الله تعالى الكريم وسماع كلامه قال تعالى: وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما أن أناسا قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال عليه الصلاة والسلام: ((هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر؟!)) قالوا: لا يا رسول الله فقال: ((هل تضرون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب؟!)) قالوا: لا يا رسول الله قال: ((فإنكم ترونه كذلك)) أي ستكون رؤيتكم لله عز وجل رؤية واضحة [رواه الشيخان].

أيها المسلمون: إن الإيمان بالجنة وما أعد الله فيها لأوليائه من أهم أركان الإيمان باليوم الآخر، فقد أكثر الله عز وجل من وصفها وذكر كرامة أهلها لما لذلك من تأثير على النفوس عظيم، فللإيمان بالجنة أهمية كبيرة وآثار عظيمة، فمن الأسباب التي تجعل الإيمان بالجنة ركنا هاما في حياة المسلم كثرة ذكر الجنة، ورسوخ الإيمان بها في القلب حافز هام لعزيمة المسلم ليندفع إلى الطاعة والعبادة، ولك أن تقارن بين رجلين: الأول يعرف أوصاف الجنة وأنواع النعيم بها والآخر لا يعرف عن الجنة التي أعدها الله تعالى للمتقين شيئا، هل سيكون حالهما واحداً في عبادة الله عز وجل؟

كلا إن الأول لمعرفته بأوصاف الجنة ولإيمانه الراسخ بنعيمها سيندفع إلى العبادة والطاعة شوقا إليها.

قال ابن القيم: وإذا خلا القلب من ملاحظة الجنة والنار ورجاء هذه والهروب من هذه فترت عزائمه وضعفت همته ووهن باعثه، وكلما كان أشد طلبا للجنة وعملا لها كان الباعث للطاعة أقوى، والهمة أشد، والسعي أتم، وفي صحيح البخاري عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أول ما نزل القرآن سورة من المفصل، فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام أي رسخ في قلوبهم - نزل الحلال والحرام.

ولو ذهبنا نذكر ماضي السنة من قوله صلى الله عليه وسلم من عمل كذا فله كذا في الجنة لطال المقام وذلك تحريضا للعمل ولتكون الجنة محفزا إليه ودافعا له، فمن ذلك قال عليه الصلاة والسلام: ((من قال سبحان الله وبحمده غرست له نخلة في الجنة))، بل إن إبراهيم عليه السلام يحرض أمة محمد صلى الله عليه وسلم ويحثها على الذكر لأنه غراس الجنة عن أبي مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لقيت إبراهيم ليلة أسري بي فقال: يا محمد أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر)).

ولقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يبعث الهمم ويشحذ النفوس ويرغبها في الجهاد لم يزد على أن يقول: قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض كما في غزوة بدر، فتمتلئ نفوس المسلمين بشجاعة خارقة للعادة وشوقا غريبا للجنة واستهانة نادرة بالحياة حتى كان الجنة أمامهم يرونها رأي العين، فلا تنشغل نفوسهم إلا بنعيمها ولا يفكرون إلا في الوصول إليها.

لما انهزم المسلمون في أحد ووجد أنس بن النضر تخاذل بعض الناس أسرع ليقاتل المشركين فاستقبله سعد بن معاذ فقال له: إلى أين؟ فقال أنس: واها لريح الجنة، أجده دون أحد. فقاتلهم حتى قتل قال: فوجد في جسده بضع وثمانون ما بين رمية وطعنة ورمية.

قوله: (واها لريح الجنة) قال النووي قال العلماء: واها كلمة تحنن وتلهف.

وقوله: (أجده دون أحد) محمول على ظاهره، وأن الله تعالى أوجده ريحها من موضع المعركة، وقد تثبتت الأحاديث أن ريحها توجد من مسيرة خمسمائة عام.

ومن الأسباب التي تجعل الإيمان بالجنة ومعرفة نعيمها وأوصافها على غاية كبيرة من الأهمية في حياة المسلم أن معرفتك بالجنة تجعلك لا تنخدع بزخارف الحياة الدنيا الفانية. قال عبد الله بن رواحة رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة: اشترط لربك ولنفسك ما شئت فقال عليه الصلاة والسلام: ((اشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا واشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم)) قالوا: فما لنا إذا نحن فعلنا ذلك؟ قال: ((الجنة)). قالوا: ربح البيع ولا نقيل ولا نستقيل، أي لا نتراجع عن هذه الصفقة، وقاموا يبايعون الرسول صلى الله عليه وسلم على ذلك مع أنهم يعلمون أنهم لا يبايعون على أمر هين، بل كانوا مستيقنين أن قريشا وراءهم، وأن العرب كلها ستحاربهم وأنهم لن يهنئوا بعيش آمن خلال المعركة مع الجاهلية، ولكنهم قارنوا بين نعيم الدنيا الزائل وبين ذلك النعيم المقيم، فاختاروا الجنة وقالوا: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل.

دخل رجل على أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه فما وجد في بيته شيئا مما يجمعه الناس من متاع الدنيا فقال الرجل لأبي الدرداء: أين متاعكم؟ فقال أبو الدرداء: لنا دار هناك يقصد الآخرة نرسل إليها تباعا كل ما نحصل عليه من متاع، ولو كان استبقينا في هذه الدار شيئا لبعثنا به إليكم ثم في طريقنا إلى تلك الدار يعني الآخرة عقبة كؤود يقصد الحساب يوم القيامة المخف فيها خير من المثقل، فأردنا أن نتخفف من أثقالنا علنا نجتاز ثم قال للرجل: هل فهمت؟ قال نعم وجزاكم الله خيرا.

أيها المسلمون: كيف نؤمن بالجنة؟ كيف يكون إيماننا بالجنة صادقا راسخا؟ كثير من الناس يظن أن الإيمان بالجنة هو معرفة أوصافها فحسب وهذا فهم قاصر إن الإيمان بالجنة يتضمن ثلاثة أمور:

الأمر الأول: أن تزرع الشوق في قلبك لها.

الأمر الثاني: أن تحقق شروط دخول الجنة من توحيد الله عز وجل والاستقامة على الكتاب والسنة وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم قال تعالى: إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون نزلا من غفور رحيم . وقال صلى الله عليه وسلم: ((كلكم يدخل الجنة إلا من أبى)) قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: ((من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى)).

الأمر الثالث: أن يكون في قلبك خوف شديد من فوات الجنة لأنه كما أن الجنة قريبة منك فالنار قريبة كذلك، وكما قد تدخل هذه قد تدخل تلك.

كان عثمان بن عفان رضي الله عنه إذا وقف على القبر بكى حتى يبل لحيته وقال: لو أنني بين الجنة والنار لا أدري إلى أيهما يؤمر بي لاخترت أن أكون ترابا قبل أن أعلم.

وبكى عمر بن عبد العزيز فقالت له فاطمة زوجه: ما الذي أبكاك؟ فقال: ذكرت منصرف القوم بين يدي الله عز وجل فريق في الجنة وفريق في السعير وجاءت عمر بن عبد العزيز جاريته يوما فقالت: لقد رأيتك في رؤيا يا أمير المؤمنين فقال: وما هي؟ قالت: رأيت كأن القيامة قامت وكأن الناس بدءوا يمرون على جسر جهنم، ورأيتك يا أمير المؤمنين، وقبل أن تكمل وقع عمر مغشيا عليه فأسرعوا إليه ليفيقوه والجارية تقول له: رأيتك يا أمير المؤمنين والله قد نجوت رأيتك قد نجوت لتطمأنه وتهدأ من روعه.

غشي عليه من الفزع خوفا على مصيره، والأمر كله لا يعدو أن يكون مناما لا يقدم ولا يؤخر، ولكن لأن قلبه كان مليئا بالإيمان، وكان يعلم أن أحدا لا يعلم مصيره خشي من فوات الجنة.

                الموت باب كل الناس داخله           فليت شعري بعد الموت ما الدار

                الدار جنة عدن إن عملت بما          يرضي الإلـه وإن فرطت فالنار

                هما مصيران ما للمرء غيرهما        فانظر لنفسك مـاذا أنت تختـار

 

الخطبة الثانية

لم ترد.

محامد و أدعية طباعة الخطبة بدون محامد وأدعية 

إلى أعلى

إذا كانت لديك أية ملاحظات حول هذه الخطبة، إضغط هنا لإرسالها لنا.

كما نرجو كتابة رقم هذه الخطبة مع رسالتك ليتسنى لنا التدقيق وتصويب الأخطاء

 
 

 2004© مؤسسة المنبر الخيرية للمواقع الدعوية على شبكة الإنترنت، جميع الحقوق محفوظة

عدد الزوار حالياً