.

اليوم م الموافق ‏30/‏ربيع الثاني/‏1439هـ

 
 

 

المنافقون

1014

الإيمان

نواقض الإيمان

عبد الرحمن بن عبد العزيز السديس

مكة المكرمة

جامع الفرقان

محامد و أدعية طباعة الخطبة بدون محامد وأدعية 

ملخص الخطبة

داء النفاق وخطورته على الأمة وسبب ذلك , والتحذير منه – موقف النبي صلى الله عليه وسلم مع المنافقين – العاصم من حبائل المنافقين – فضح المنافقين وهتك أستارهم – صفات المنافقين في القرآن – وجوب الحذر من الاتصاف بصفاتهم

الخطبة الأولى

أما بعد:

فيا عباد الله: داء خطير وبلاء مستطير وشر خطير متى دب في أمة أماتها وأهلكها ما لم يتداركها الله برحمته ذلكم هو داء النفاق الذي قال الله في المتصفين به: إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيراً ، وقال تعالى: إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعاً , وإنما عظم خطره وكبر شره بسبب عظيم نكايته في الأمة المسلمة فهو عليها أشد من عدوها الخارجي لأن العدو الخارجي من الكفار صرحاء لا تنطلي حيلهم على السذج من الناس، بينما المنافقون يغتر بكلامهم الكثير من العامة بل وبعض الخاصة، قال تعالى في صحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: وفيكم سماعون لهم أي قد يصدق بعض ما يقولون وينخدع به، بل إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يقبل منهم ظواهرهم ويكل سرائرهم إلى الله فاستغلوا ذلك في أذيته والوقيعة به وبدينه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ويقولون هو أذن أي يصدق كل ما يقال له ولذلك نفعل ما نشاء ثم نقول له من الكلام الذي يرضيه وينتهي الأمر ولم يغيروا من أمرهم شيئاً، فأنزل الله فيهم:  ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن ، ولذلك فالعاصم من الوقوع في حبائل المنافقين هو الصلة القوية بكتاب الله الذي هتك أستارهم: ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم فقد كانوا يقولون لأعداء الله سنطيعكم في بعض الأمر أي ليس في كل الأمر وإلا لكانوا كفاراً صرحاء فهم يطيعون رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في بعض الأمر ويطيعون الذين كرهوا ما أنزل الله في بعض الأمر، قال تعالى: والله يعلم إسرارهم ، كما قال في الآية الأخرى عنهم:  ويقولون طاعة أي يظهرون طاعتهم لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ماداموا عنده: فإذا برزوا من عندك (أي خرجوا والتقوا بالذين كرهوا ما أنزل الله) بيت طائفة منهم غير الذي تقول أي يضمرون تنفيذ غير ما قالوه لك وغير ما التزموا لك به من الطاعة, قال تعالى: والله يكتب ما يبيتون أي يعلم إسرارهم حيث لا تخفى عليه منهم خافية, فأعرض عنهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلاً أي لا تنخدع بكلامهم ووعودهم وكن مفوضاً أمرك إلى ربك وسيكفيك أمرك كله. ثم هددهم جل وعلا بقوله: أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم ولنبلونكم حتى نعلم الصابرين منكم والمجاهدين ونبلوا أخباركم , قال ابن كثير رحمة الله عليه في تفسير هذه الآيات يقول تعالى: أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم أي أيعتقد المنافقون أن الله لا يكشف أمرهم لعباده المؤمنين بل سيوضح أمرهم حتى يفهمهم ذوو البصائر وقد أنزل الله في ذلك سورة براءة فبين فيها فضائحهم وما يعتمدونه من الأفعال الدالة على نفاقهم ولذلك كانت تسمى الفاضحة، قال والأضغان جمع ضغن وهو ما في النفس من الحسد والحقد للإسلام والقائمين على نصره, وقوله تعالى: ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم يقول تعالى ولو نشاء يا محمد لأريناك أشخاصهم فعرفتهم عياناً، ولكن لم يرضَ يفعل تعالى ذلك في جميع المنافقين ستراً منه على خلقه وحملاً للأمور على ظاهر السلامة ورداً للسرائر إلى عالمها, ولتعرفنهم في لحن القول  أي فيما يبدو من كلامهم الدال على مقاصدهم يفهم المتكلم من أي الحزبين هو بمعاني كلامه وفحواه وهو المراد من لحن القول كما قال أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه: (ما أسر أحد سريرة إلا أبداها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه)، وفي الحديث: ((ما أسر أحد سريرة إلا كساه الله جلبابها إن خير فخيراً وإن شراً فشر))[1], انتهى كلام ابن كثير.

اللهم استرنا ولا تفضحنا. اللهم إنا نعوذ بك من النفاق كله جميعه وقليله. اللهم إنا نسألك العلم النافع والعمل الصالح.

اللهم إنا نسألك علماً نافعاً وقلباً خاشعاً ولساناً ذاكراً. اللهم إنا نعوذ بك من علم لا ينفع ومن قلب لا يخشع ومن عين لا تدمع ومن دعوة لا تسمع.

أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.


 



[1] المعجم الكبير للطبراني (1702).

الخطبة الثانية

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله اللهم صلى وسلم عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد: فيا عباد الله إن الله جل وعلا لم يتركنا هملاً بل بين لنا في هذا الأمر الجليل ما به تنكشف عنا الغمة وقد تولى الله جل وعلا ذكر جميع صفات المنافقين في كتابه ولذلك كان الصحابة يسمون سورة براءة التي فضح الله بها المنافقين يسمونها الفاضحة المدمدمة المقشقشة المخزية إلى غير ذلك من الأسماء التي تجاوزت عشرة أسماء وكلها في المنافقين، وأنزل الله آيات كثيرة في كتابه منها آيات سورة المنافقين التي فضحت أسرارهم ومنها ما جاء أيضاً في سورة النساء ولا نستطيع حصر صفات المنافقين كلها ولكننا نذكر طرفاً منها حتى يتبصر المسلم ويحذر أن ينطبق عليه شيء من أوصافهم، فمن ذلك ما جاء في سورة المنافقين التي أنزلها الله عز وجل في شأن عبد الله بن أبي الكافر الذي كان رأس حربة علي رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع ذلك كان يصلى الجمعة خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يقوم بعد صلاة الجمعة ليعظ الناس ويذكرهم ويقول لهم دونكم رسول الله صلى الله وسلم فتابعوه والتزموا بأوامره فوالذي لا إله إلا هو إنه لرسول الله حقاً هكذا كان يقول عبد الله بن أبي كما ذكره بعض المفسرين في سورة المنافقين، ويحلف بالله إن رسول الله لهو رسول حقاً بل ويعظ الناس ويأمرهم باتباعه وهو من حطب جهنم وهو رأس المنافقين، ولذلك قال الله عز وجل في فضحه اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله يقول ابن كثير في تفسيرها أي اتقوا الناس بالأيمان الكاذبة ليصدقوا فيما يقولون فاغتر بهم من لم يعرف جلية أمرهم فاعتقدوا أنهم مسلمون فربما اقتدى بهم فيما يفعلون وصدقهم فيما يقولون وهم من شأنهم أنهم كانوا في الباطن لا يألون الإسلام وأهله خبالاً فحصل بهذا القدر ضرر كثير على الناس, ولهذا قال تعالى: فصدوا عن سبيل الله إنهم ساء ما كانوا يعملون .

و من صفاتهم ما ذكره جل وعلا في السورة نفسها بقوله: وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم يقول ابن كثير في تفسيرها أي وكانوا أشكالاً حسنة وذوي فصاحة وألسنة وإذا سمعهم السامع يصغي إلى قولهم لفصاحتهم وهم مع ذلك في غاية الضعف والخور والهلع والجبن , ولهذا قال تعالى: يحسبون كل صيحة عليهم أي كلما وقع أمر أو خوف يعتقدون لجبنهم أنه نازل بهم، كما قال تعالى: أشحة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيراً فهم صور بلا معاني ولهذا قال تعالى: هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون أي كيف يصرفون من الهدى إلى الضلال، وصفاتهم كثيرة جداً ومنها ما ذكره الله جل وعلا في سورة النور بقوله:  ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين أ في قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون . وذكر بعض صفاتهم في النساء بقوله: وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدوداً فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحساناً وتوفيقاً , والآيات في وصفهم كثيرة فلنتقِ الله يا عباد الله أن نقع في شيء منها فإن كثيراً من الناس تجده يأمر ولده بأمور بل وربما زجره عن بعض الأشياء السيئة وتجده يخالف ما يقول، فبعض الناس مثلاً يعظم شأن العلماء في عيني ولده ويبين لولده فتاوى العلماء في تحريم الدخان ثم تجده هو يشربه مثلاً أو يخالف فتاواهم في أمور أخرى. فلنتق الله يا عباد الله ولنكن مطيعين لكلام الله وكلام رسوله ولنحذر أن نتشبه بالمنافقين في صفاتهم. 

محامد و أدعية طباعة الخطبة بدون محامد وأدعية 

إلى أعلى

إذا كانت لديك أية ملاحظات حول هذه الخطبة، إضغط هنا لإرسالها لنا.

كما نرجو كتابة رقم هذه الخطبة مع رسالتك ليتسنى لنا التدقيق وتصويب الأخطاء

 
 

 2004© مؤسسة المنبر الخيرية للمواقع الدعوية على شبكة الإنترنت، جميع الحقوق محفوظة

عدد الزوار حالياً