.

اليوم م الموافق ‏11/‏ربيع الثاني/‏1440هـ

 
 

 

سدّ ذرائع الفاحشة

1033

الرقاق والأخلاق والآداب

الكبائر والمعاصي

محمد الحكمي

الطائف

29/2/1415

جامع الجفالي

محامد و أدعية طباعة الخطبة بدون محامد وأدعية 

ملخص الخطبة

1- قاعدة سد الذرائع في إقفال الأبواب المؤديّة إلى الزنا 2- الترغيب في النكاح 3- أنواع من النكاح حرّمتها الشريعة سداً للذريعة 4- مشروعية التعدد 5- تحريم الاختلاط 6- تحريم الخلوة والمصافحة 7- الاستئذان عند دخول البيوت 8- النهي عن سماع الغناء 9- التفريق في المضاجع 10- إفشاء أسرار الزوجية 11- الجلوس في الطُرقات

الخطبة الأولى

عباد الله

ويتواصل الحديث عن فاحشة الزنا خصوصاً، ويلحق بها ضمناً سائر الفواحش الأخرى، فليست العبرة بخصوص السبب ولكن بعموم اللفظ.

لذا كان من رحمة الله عزّ في علاه أن أغلق على عباده منافذ الشر وأرخى لهم ستر الوقاية، فمن فتحها أو خترها وقع في الإثم والمعصية.

            إذا المرء لم يلبس ثياباً من التقى         تجرّد عرياناً وإن كان كاسياً

            و خير خصال المرء طاعة ربه         ولاخير فيمن كان لله عاصياً

وهذا الباب عند أهل العلم يُسمى: "باب سد الذرائع"، ويمثل له العامة بقولهم: "الباب الذي يأتيك منه الريح سده واستريح"، والذريعة في اللغة هي: السبب الموصل إلى الشيء والطريق والوسيلة إليه. فإن كانت الغاية مصلحة شرعية يفتح لها باب الذرائع، وإن كانت مفسدة فيوصد دونها باب الذريعة ويغلق.

فالخمر مثلاً محرمة ولذلك جاء الشارع الحكيم فيما أخبر به البشير النذير بقوله: ((لعن الله الخمر، وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه، وآكل ثمنها)).

لماذا؟؟ لأنها طرق وأسباب مؤداها في النهاية الوقوع في شربها، وقل مثل ذلك في سد ذرائع الربا؛ حيث يقول المصطفى : ((لعن الله الربا، وآكله، وكاتبه، وشاهده، وهم يعلمون)) وفي رواية ((هم فيه سواء)).

وفي المقابل تفتح الذريعة للمباح والمستحب والواجب، فالجهاد في سبيل الله لإعلاء "لا إله إلا الله" لا لقومية ولا حزبية ولا وطنية ونحو ذلك ذروة سنام الإسلام، لذلك تُعد له العدة والقوة ورباط الخيل وتعلم الرمي والمصابرة كل هذه وسائل يفتحها الإسلام لتحقيق تلك الغاية السامية.     

وقل مثل ذلك في الزواج، من الإعانة عليه، وتخفيف المهور، وتيسير أسبابه كلها ذرائع مباركة تخدم في تمامها إكمال العبد لنصف دينه وقطع دابر الفواحش والآثام، ونحو ذلك.

لكن الغاية لا تبرر الوسيلة، فلا يسرق المرء لكي يتصدق، ولا يأخذ فوائد الربا ليبني بها مسجداً، ولا يشهد شهادة زور ليرفع الظلم عن المظلوم، وهلم جرا...

أيها المؤمنون

ولأن فاحشة الزنا من أعظم الكبائر  لما مر من ذكر آثارها المترتبة على الأفراد والمجتمعات من أمراض فتاكة وموت عام وتفكك لأسر واختلاط لأنساب، حرص الإسلام على البعد بالعبد عنها والنأي به عن سبلها المفضية إليها.

لذا تجد المولى سبحانه وتعالى يقول في تحريم القتل: ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق وفي الربا يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة وفي الغيبة ولا يغتب بعضكم بعضاً إنها أوامر مباشرة: لا تقتلوا – لا تأكلوا – ولا يغتب بعضكم بعضاً – ولا يشهدون الزور، وقبل ذلك كله وأهمه: لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم ، أما في الزنا فالأمر فيه بعدم القرب ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلاً

أخي المجانب لما حرم الله: علينا المسارعةَ في طاعة الله.

وإليك طرفاً من هذه الذرائع التي جاءت الشريعة إما بتحريمها لأنها داعية إلى الفاحشة موقعة لمن لم يعصمه الله في المنكر، وإما بتحليلها وتجويزها لما يترتب عليها من المصالح الشرعية، وهي على أوجه أربعة: فمنها ما يتعلق بالرجل، ومنها ما يرتبط بالمرأة، ومنها ماهو مشترك بينهما، ورابع مرده إلى المجتمع والسلطة الحاكمة فيه من علماء وحكام.

فمما هو مشترك بين الرجل والمرأة:

1)    الترغيب في النكاح: كما قال : ((يا علي!! ثلاث لا تؤخرها: الصلاة إذا آنت، والجنازة إذا حضرت، والأيم (المرأة) إذا وجدت لها كفؤاً)).

وعن الحسن قال: قال لي معاذ في مرضه الذي مات فيه: زوجوني فإني أكره أن ألقى الله أعزباً"  والآيات والأحاديث في ذلك كثيرة قد مر ذكرها

2)    حرم الشارع الحكيم بعض المناكح سداً لذريعة الزنا، فمن ذلك:

أ)قوله فيمن تزوج نفسها بنفسها أو بغير إذن وليها من الناس ((من نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها، فإن اشتجروا (أي تخاصموا) فالسلطان ولي من لا ولي له)).

وعن عكرمة بن خالد أن الطريق جمعت ركباً فجعلت امرأة ثيب أمرها إلى رجل من القوم غير ولي فأنكحها رجلا ً فبلغ ذلك عمر فجلد الناكح والمنكح ورد نكاحها.

ب)وحرّم زواج المتعة، وهو النكاح المنقطع بأجل... قال عليه الصلاة والسلام عن المتعة: ((ألا إنها حرام من يومكم هذا إلى يوم القيامة، ومن كان أعطي شيئاً فلا يأخذه)).

ج)ومن ذلك نكاح التحليل، وهو ما يسمى فاعله بـ "التيس المستعار"، قال : ((لعن الله المحلِّل والمحلَّل له)).

وروى نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رجلاً قال له – عن امرأة – تزوجتها أحلّها لزوجها لم يأمرني ولم يعلم. قال: لا إلا نكاح رغبة، إن أعجبتك أمسكتها وإن كرهتها فارقتها. قال ابن عمر رضي الله عنهما: وإن كنا نعدّ هذا على عهد رسول الله سفاحاً. قال: ولا يزالا زانيين وإن مكثا عشرين سنة.

3) وشرع الإسلام التعدد ولكن مع العدل فيما يملك فانكحوا ماطاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أنى ألا تعولوا أي تجوروا وتظلموا.

4) وحرم الاختلاط بين الجنسين. خرج الرسول يوماُ بعد الصلاة من المسجد وقد اختلط الرجال مع النساء، وهن متلفعات بمروطهن عليهن حجابهن رضي الله عنهم أجمعين رجالاً ونساءً، قال لهن المصطفى الله : ((أستأخرن فليس لكن أن تحققن الطريق (أي تتوسطن فيه) عليكن بحافات الطريق)) فكانت المرأة تلصق بالجدار حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به.

5) وحرمت الخلوة كذلك.

قال عليه الصلاة والسلام: ((لا يبيتن رجل عند امرأة في بيت إلا أن يكون ناكحاً أو ذا محرم)) وقال أيضاً عليه الصلاة والسلام: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامرأة ليس معها ذو محرم منها فإن الشيطان ثالثهما)).

6) ويدخل في ذلك تبعاً المصافحة، فقد قال عليه الصلاة والسلام: ((لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له)) قال العلماء: سواءً كان بحائل أو بدون حائل، وقدوتنا في ذلك المصطفى ، فهاهي عائشة رضي الله عنها تخبر عنه أنه "ما مست يده يد امرأة إلا امرأة يملكها" فهل يعي ذلك مدعو الحضارة والتقليد الأعمى.

7) لذا لزم الاستئذان عند دخول البيوت من الرجل والمرأة، قال تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون لذا جاءت آيات الاستئذان في سورة النور بعد التفصيل في أحكام الزنى والقذف سدّاً للذريعة.

والبيوت عورات، روى الإمام مسلم – رحمه الله – عن سهل بن سعد الساعدي : أن رجلاً اطلع من جحر في باب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع رسول الله مدريّ يرجّل به رأسه، فلما رآه المصطفى قال: ((لو أعلم أنك تنظر طعنت في عينك، إنما جعل الإذن من أجل البصر)). وقد أحل عليه الصلاة والسلام لأهل البيت أن يفقؤا عين من ينظر إليهم بغير إذنهم، وهذا أدب يلزمنا تعلمه وتعليمه لأبنائنا سواء أكان النظر من الخروق أو من تحت الأبواب أو من الشرفات والأسطحة.

8) لذا لم تأت الشريعة بتحريم النظر في بيوت الناس فحسب بل حرمت كل وسيلة تؤدي إلى ذلك، كاللعب بالحمام؛ لقوله عليه الصلاة والسلام – حين رأى رجلاً يتبع حمامة -: ((شيطان يتبع شيطانة)).

لماذا؟؟ لأن اللعب بها مدعاة لملاحقتها فوق الأسطحة وعلو المنازل، وهذا يعني أن من يفعل ذلك ويلهو بهذه الطيور قد يطلع على بيوتات وعورات الآخرين.

فيا سبحان الله ما أكمل هذا الدين وما أعظم قدره.

قال الحسن: سمعت عثمان يأمر في خطبته بقتل الكلاب وذبح الحمام.

9) نهى الشرع عن سماع الغناء لأنه رقية الزنا وبريده، والمتأمل لكلماته سواءً أكان المغني رجلاً أو امرأة يجدها في الغالب حول الحب والغرام والعلاقات بين الجنسين ولا حول ولا قوة إلا بالله، لذا حُرمت آلاته وأشرطته سماعاً وبيعاً وتأجيراً لمحلاته.

10) وقد حذّر المصطفى من النظر إلى العورات فقال: ((لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة)) وفي رواية ((ولا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في ثوب)).

قال المسور بن مخرمة: حملت حجراً ثقيلاً، فبينا أنا أمشي سقط عني ثوبي، فقال لي رسول الله: ((خذ عليك ثوبك ولا تمشوا عراة)).

11) التفريق في المضاجع

وهو هدي نبوي يشمل التفريق بين الجنسين من الذكور والإناث، وبين كل جنس على حدة,

12) ومن الأمور المشتركة بين الرجل والمرأة مما سدت به ذريعته الهاتف والمراسلة ونحو ذلك مما يفضي إلى الفاحشة في الغالب.

 

كل هذا وغيره كثير من الذرائع جاء الإسلام بتحريمها إن كانت مفضية إلى الحرام أو بتحليلها إن كانت في مؤداها حلالاً، وكلٌ بحسبه.

وإن في الإشارة ما يغني عن العبارة، والحر بالإشارة يفهم.

الخطبة الثانية

الحمد لله أكمل الملة، وأتم النعمة، وأقام الحجة، والصلاة والسلام على الرسول المصطفى تركنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

عباد الله

ومن الأبواب التي سدّ شرعنا  المطهر ذرائعها أو فتحها ما يتعلق بالرجل، وقد تشترك في بعضها معه المرأة، مثل:

13) إفشاء أسرار الفراش لأنه مدعاة إلى الفاحشة، قال : ((إن من شر الناس منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرها)).

وقد يتشهى بمثل هذه الأحاديث أناس في مجالسهم – والعياذ بالله – وكذا النساء، أجارنا الله، فكيف بالقصص الماجنة وأفلام الغرام، وقنوات الدش الآثمة.

14) ورد النهي عن الجلوس في الطرقات صيانة للأعراض؛ فقال عليه الصلاة والسلام: ((إياكم والجلوس في الطرقات)) فقالوا: يا رسول الله مالنا من مجالسنا بدّ نتحدث فيها. فقال رسول الله: ((فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه)) قالوا: فما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: ((غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)).

فالجلوس على الطرقات قد يكون سبباً في الدعوة إلى المعصية، فربما نظر إلى الأعراض، فكم رأينا من شباب يجلسون على طرق مدارس  البنات من أجل إيذائهن، وكم تعرضوا لغيرهم إما بالسب أو الضرب، فلذا لابد أن يسد هذا الباب ولا يُفتح إلا بالضوابط التي ذكرها النبي .                                   

محامد و أدعية طباعة الخطبة بدون محامد وأدعية 

إلى أعلى

إذا كانت لديك أية ملاحظات حول هذه الخطبة، إضغط هنا لإرسالها لنا.

كما نرجو كتابة رقم هذه الخطبة مع رسالتك ليتسنى لنا التدقيق وتصويب الأخطاء

 
 

 2004© مؤسسة المنبر الخيرية للمواقع الدعوية على شبكة الإنترنت، جميع الحقوق محفوظة

عدد الزوار حالياً