.

اليوم م الموافق ‏11/‏صفر/‏1440هـ

 
 

 

تتمة احفظ الله يحفظك

243

الرقاق والأخلاق والآداب, العلم والدعوة والجهاد

أحاديث مشروحة, مكارم الأخلاق

منصور الغامدي

الطائف

24/10/1419

أبو بكر الصديق

محامد و أدعية طباعة الخطبة بدون محامد وأدعية 

ملخص الخطبة

- عاقبة الصبر والصابرين , والتحذير من السخط على قضاء الله – أنواع الصبر الذي يعقُبه النصر : 1- صبر على جهاد العدو 2- صبر على جهاد النفس والهوى – استشعار الفرَج وزوال الكروب , ونماذج لذلك

الخطبة الأولى

 

أما بعد:

فإن المسلم في حاجة إلى زاد عظيم في هذه الدنيا، يواجه به ما يلم به من مشكلات الحياة وجهل الناس وأذى السفهاء، بل وأعظم من ذلك الانتصار، يجب أن يكون شامخا متمنطقا بالصبر والاحتساب.

وأنى لي ولك ـ أخي الكريم ـ من الزاد إلا ما علمناه قدوتنا وحبيبنا محمد بن عبد الله ، الذي أوصى ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ بقوله: ((واعلم أن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا))[1] فالصبر واجب وهو حتم لابد منه، وفيه خير كثير، وقد أمر الله بالصبر ووعد عليه بجزيل الأجر: ٱلَّذِينَ إِذَا أَصَـٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رٰجِعونَ أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوٰتٌ مّن رَّبْهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ.

وَبَشّرِ ٱلْمُخْبِتِينَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَٱلصَّـٰبِرِينَ عَلَىٰ مَا أَصَابَهُمْ، وعلى المسلم أن يرضى بكل قضاء قدره الله ـ عز وجل ـ، فإن الصبر على المكروه يوجب كف النفس واللسان وحجبها عن التسخط مع وجود الألم على المكروه، أما الرضى، فيوجب انشراح القلب من روح اليقين والمعرفة، وكما أن الصبر إنما يكون عند الصدمة الأولى كما صح ذلك عن النبي ، فالرضى إنما يكون عند نزول البلاء كما كان النبي يقول في دعائه: وأسألك الرضى بعد القضاء، لأن المسلم قد يعزم في قرارة نفسه على الرضى بالقضاء، انفسخت تلك العزيمة، والصبر على البلاء واجب لابد منه، وإنما ينال بقليل من التجلد والتحمل كما قال : ((ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر))[2].

وإن الصبر في ذات الله وعلى كل مكروه عاقبته خير، كما حصل ليوسف: إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ.

مع إخوانه حينا أعلى الله شأنه وأحسن له العاقبة قال: قال عمر : وجدنا خير عيشنا بالصبر وعبارات السلف في فضل الصبر كثيره بالصبر، وقال علي بن أبي طالب : إن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، ولا إيمان لمن لا صبر له، وصبر المسلم على الضر هو من توفيق الله، قال الحسن : الصبر كنز من كنوز الجنة لا يعطيه الله إلا لمن تكرم عليه.

وقال إبراهيم التيمي: ما من عبد وهبه الله صبرا على الأذى، وصبرا على البلاء، وصبرا على المصائب، إلا وقد أوتي فضلا ما أويته أحد بعد أحد بعد الإيمان بالله ـ عز وجل ـ.

ولقد كان الصبر جلبابا يرتدونه عند نزول البلايا وشعارا عند حلول المصاب، قال بعض السلف: إني لأصاب بالمصيبة فأحمد الله إذ رزقني الصبر عليها، إذا لم تكن أعظم مما هم وأحمد الله إذ رزقني الصبر عليها، وأحمد الله إذ وفقني للاسترجاع، وأحمد الله إذ لم يجعلها في ديني.

الوصية التالية: واعلم أن النصر مع الصبر.

والصبر الذي يعقبه النصر نوعان:

صبر على لقاء العدو نظاهر كما قال تعالى: يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُواْ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. وكقوله ـ سبحانه ـ: كَم مّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةً بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ.

والنوع الآخر: صبر على جهاد النفس والهوى، فجهادهما والصبر على ذلك مقدَّم على جهاد الكفار، قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما لما سئل عن الجهاد : ابدأ بنفسك التي بين جنبيك، فكم مرة دعتك إلى المعصية، وكم مرة نازعتك إلى تغيير طبيعتك الخيرة، وكم مرة استجبت لهواتف النفس والهوى التي تدعوك إلى النوم عن صلاة الفجر وصلاة العصر، وكم مرة زين لك أكل الحرام وسرقة الأموال، وفي كم موطن أعطتك نفسك فتوى جاهزة ومبررات مقبولة عندك لتفعل ما لا يحل لك فعله، وتترك ما يجب عليك من معاقرة الخمر مثلا والوقوع في الفاحشة ولذا كانت وصية أبي بكر الصديق لعمر الفاروق حين استخلفه : إن أول ما أحذرك نفسك التي بين جنبيك، وهذا من فقهه فإن من صبر على مجاهدة نفسه وهواها وشيطانه، انتصر عليهم، وعاش عزيز النفس، يوجه نفسه، لا توجهه نفسه، ومن لم يصبر عاش أسيرا ذليلا. والنفس بمنزلة الدابة إن عرفت منك الجد جدت، وإن عرفت منك الكسل طمعت فيك، وطلبت منك حظوظها وشهواتها.



[1]  صحيح ، أخرجه أحمد (1/307) ، وانظر سنن الترمذي : كتاب صفة القيامة – تابع باب ما جاء في صفة أواني الحوض (2800).

[2]  أخرجه البخاري : كتاب الزكاة – باب الاستعفاف عن المسألة (1469) ، ومسلم : كتاب الزكاة – باب فضل التعفف والصبر (1053).

الخطبة الثانية

 

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وصلى الله وسلم وبارك على المبعوث رحمة للعالمين، ودليلا للسالكين، وحجة على الخلق أجمعين.

أما بعد:

فالوصية الثالثة هي أَن الفرج مع الكرب.

وهذه الوصية تمحو وتحجب اليأس، وتدعو إلى استشراف المستقبل بثقة واطمئنان، مذكرا أن الليل كلما اشتد سواده كان مؤذنا بفجر جديد.

فاشدد يديك بحبل الله معتصما       فإنه الركن إن خانتك أركان

ولقد حصل للناس في عهد النبي كرب وضيق احتبس عنهم المطر، وجهد الناس، فسألوه أن يستسقي ربه، فرفع النبي يديه فاستقى لهم فنشأ السحاب ومطروا إلى الجمعة الأخرى حتى قاموا إليه وسألوه أن يستصحي لهم ففعل فأقلعت السماء: فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مّن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ فَٱنظُرْ إِلَىٰ ءاثَـٰرِ رَحْمَةِ ٱللَّهِ كَيْفَ يُحْىِ ٱلأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا، وكثيرة تلك الوقائع التي تُظهر الفرج مقترنا بالكرب.

عسى الكرب الذي أمسيت فيه      يكون وراءه فرج قريب

عسى فرجا يأتي بـه الله إنـه     له كل يوم في خليقته أمر

فهذا إبراهيم خليل الرحمن ـ عليه الصلاة والسلام ـ رأى في المنام أنه يذبح ابنه فلذة كبده، يذبحه بيديه وهو سوف يرى ابنه بعد قليل يتشحط في دمه، إنها لحظات شِداد فجاء الفرج من الله: وَفَدَيْنَـٰهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ.

وقصة عائشة بنت الصديق ـ رضي الله عنهما ـ عندما اتهمها المنافقون في حادثة الإفك، ولبثت شهرا، تعيش همّ هذه القرية الآثمة، حتى نزلت براءتها من فوق سبع سماوات: إِنَّ ٱلَّذِينَ جَاءوا بِٱلإفْكِ عُصْبَةٌ مّنْكُمْ لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلّ ٱمْرِىء مّنْهُمْ مَّا ٱكْتَسَبَ مِنَ ٱلإثْمِ وَٱلَّذِى تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ والقصص في هذا المعنى كثيرة جدا.

الوصية الرابعة: ((إن مع العسر يسرا)) وهذه الوصية تأكيد للوصية السابعة قال ـ تعالى ـ: سَيَجْعَلُ ٱللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً. وإن الله لا يجمع على عبده عسرين، فهي بشرى للمسلم أن تيسير أمره يكون بعد العسر.

ولا شك أن غاية ما يرجوه إنسان هو اليسر، وإنها لنعمة عظيمة أن يرى المسلم أموره ميسرة بعد العسر الذي ألم به، وقد جاء في الأثر: لو جاء العسر فدخل هذا الحجر لجاء اليسر حتى يدخل عليه فيخرجه، ومتى وقع المسلم في العسر، فإنه لا بد له من الدعاء والتضرع وهذا في حد ذاته نعمة عظيمة.

إن هذه الوصايا يا عباد الله التي أوصى بها نبي الأمة ابن عباس، إنها درية الألفاظ، عسجدية المعاني، مشرقة المعاني محكمة الألفاظ، قد تجافت عن مضاجع القلب، إنها تعيش في المشاعر، وتتحرك في الجوارح، وهي زاد عظيم، وعلم جليل، يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلى بشيء كتبه الله عليك، واعلم أن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا.

اللهم ارزقنا العمل بوصية نبيك صلى الله عليه وسلم...

 

محامد و أدعية طباعة الخطبة بدون محامد وأدعية 

إلى أعلى

إذا كانت لديك أية ملاحظات حول هذه الخطبة، إضغط هنا لإرسالها لنا.

كما نرجو كتابة رقم هذه الخطبة مع رسالتك ليتسنى لنا التدقيق وتصويب الأخطاء

 
 

 2004© مؤسسة المنبر الخيرية للمواقع الدعوية على شبكة الإنترنت، جميع الحقوق محفوظة

عدد الزوار حالياً