.

اليوم م الموافق ‏09/‏صفر/‏1440هـ

 
 

 

الحياة الطيبة

795

الإيمان

فضائل الإيمان

عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري

المدينة المنورة

25/11/1406

قباء

محامد و أدعية طباعة الخطبة بدون محامد وأدعية 

ملخص الخطبة

الحياة الطيبة مطلب الناس وغايتهم – اختلاف أفهام الناس ونظرتهم للحياة الطيبة : من يرى السعادة والحياة الطيبة في المال من أي مصدر كان – من يرى السعادة والحياة الطيبة في المنصب – من يرى السعادة والحياة الطيبة في تحصيل اللذائذ والشهوات – من يرى السعادة والحياة الطيبة في معصية الله – الحياة الطيبة الحقيقية في الإيمان والعمل الصالح – حال الصحابة مع الدنيا

الخطبة الأولى

أما بعد: عباد الله الحياة الطيبة مطلب عظيم وغاية نبيلة هي مطلب كل الناس وغاية جميعهم عنها يبحثون وخلفها يركضون وفي سبيلها يضحون ويبذلون، فما من إنسان في هذه الحياة إلا وتراه يسعى ويكدح ويضني نفسه ويجهدها كل ذلك بحثًا عن الحياة الطيبة وطمعًا في الحصول عليها والناس جميعًا على ذلك متفقون ولكنهم يختلفون في مضى هذه الحياة وفي نوع هذه الحياة الطيبة وتبعًا لذلك فإنهم يختلفون في الوسائل والسبل التي توصلهم إلى هذه الحياة إن وصلوا إليها.

مختلفون على كافة مستوياتهم كانوا أممًا أو شعوبًا أو مجتمعات صغيرة أو كبيرة، بل حتى الأسرة الواحدة تجد فيها ألوانًا شتى فتجد الأب تجد أن للحياة الكريمة والحياة الطيبة عند الأب في كثير من الأحيان معنى يختلف عن الحياة الطيبة عند ولده، وتجد أن للحياة الطيبة معنى عند الأخ يختلف عن معناها عند أخيه وقد تجد أن للحياة الطيبة معنى عند الزوجة يختلف عن معنى الحياة الطيبة عند زوجها وكم قامت من أجل ذلك خصومات ومشاكل.

وللناس في كل زمان أفهام حول هذه الحياة الطيبة وهم تبعًا لذلك أصناف فمنهم من يرى الحياة الطيبة في كثرة المال وسعة الرزق وأنه إذا توفرت له هذه الأمور فإنه في حياة طيبة وحياة كريمة فهو يسعى في ذلك ويجهد نفسه ويسلك كل الوسائل التي يرى أنها تمكنه من الحصول على مطلبه، بل بعض الناس يجعل من هذه الغاية مبررًا لكل وسيلة فيتخذ كل ما خطر بباله ويرى أنه يوصله لهذه الغاية ولو كان مما حرم الله تبارك وتعالى.

إن كان من قبيل الربا أقدم ولا يبالي حتى ولو ذُكر بقول رسول الله : ((لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه))[1].

يسعى إلى المال ولو كان من قبيل الرشوة وحتى ولو ذكر بقول الرسول : ((لعن الله الراشي والمرتشي والمرشي والساعي بينهما))[2] أو كما قال .

يسعى للحصول على المال ولو كان بأكل أموال اليتامى ظلمًا، يسعى للحصول على المال ولو كان في أكل أموال الناس بالباطل، يسعى للحصول على المال ولو كان بالغش والأيمان الكاذبة والحيل المحرمة، كل ذلك بغية أن يحصل على مقصوده ليحصل على ما يراه من حياة طيبة، يضني نفسه ويجهدها، ويضني من تحت يده ويجهدهم بل ويظلمهم وبعضهم قد يصل إلى الذين حذر الله ورسوله منهم بقوله: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون [التوبة:55].

يسعى ويرى أن غيره لا يعرف ممن لم يكن على شاكلته يرى أنهم لم يعرفوا معنى الحياة الصحيحة بعد ولم يذوقوا لها طعمًا. وقليل من الناس من يكسب المال من حله ويحرص على أن يضعه في حله ويجعله معونة على طاعة ربه حتى لا يفتنهم في دينهم.

أما الكثير فإنك تراهم لا راحة لهم في أبدانهم ولا طمأنينة لهم في أنفسهم إذا انخفضت الأسعار تمزقت قلوبهم جزعًا وإن ارتفعت الأسعار تقطعت قلوبهم طمعًا فهم على نارين لا يهدأ لهم بال ولا يقر لهم قرار يعيشون مفتونين في حياتهم يصيبهم الضنك في هذا المال وتصيبهم الشدة وبين أيديهم الأموال يسارعون في أعمال الدنيا ولكنك تراهم يقدمون أكل أموال الناس على طاعة الله تبارك وتعالى هؤلاء لهم موقف بين يدي الله عز وجل ويكفي أن يكون السؤال بين يدي علام الغيوب الذي لا تخفى عليه خافية يعلم السر وأخفى وهذا تفكيرهم ومعنى الحياة الطيبة عندهم.

ثم صنف آخر يرون أن الحياة الطيبة هي في الحصول على المناصب والجاه فيسعون إلى ذلك ويسلكون كل السبل التي توصلهم إلى هذا المقصود وإلى هذه الغاية يبذلون كل غالٍ ورخيص في أن يحصلوا على مقصودهم.

يبذلون ويقصدون إلى هذه المناصب فلا يعانون عليها ويتعلقون بها فيوكلون إليها يحبون من مالأهم ومن ناصرهم ومن ملقهم ونافق ويبغضون ويكرهون من نصح لهم وأخلص. هذا حال كثير منهم ويرون مع ذلك أن هذه هي الحياة هي الحياة الطيبة ولو تنازلوا عن شيء من دينهم ولو أشغلهم ذلك عن طاعة ربهم ولو أطاعوا المخلوق في معصية الخالق، وقليل من الناس من يأخذ ذلك طاعة لله لا يسأله من نفسه وإذا وُكل إليه وحُمِّله فإنه يستعين الله عليه ويطيع الله فيه لأنه يذكر قول رسوله لأبي ذر رضي الله عنه: ((يا أبا ذر إنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها)) أو كما قال .

ثم صنف ثالث من الناس يرى أن الحياة الطيبة والحياة الكريمة في حصول النفس على شهواتها وتمتعها بلذائذها وشهواتها وحصولها على ذلك من أي سبيل، حتى ولو كان في معصية الله تبارك وتعالى فتراهم يرتعون يسرحون ويمرحون كالبهائم بل هم أضل، يحرصون على التمتع باللذائذ ويعجبون أن يُقال لهم: اتقوا الله ويعجبون لمن يرى الحياة الطيبة في غير ما هم يسلكون وفي غير ما هم وراءه يسعون يتبعون اللذائذ وينتقلون إليها ويشدون الرحال من بلد إلى بلد ليعصوا الله وليترفوا وليلذذوا أنفسهم بمعصية الله.

تغرهم هذه النعمة صحة في البدن وأمن في الوطن ورخاء في العيش فبدل أن يكون ذلك شكر يكون ذلك كفر الغفلة تستولي على قلوبهم يرون ويسعون ما حولهم من الناس ومن الشعوب التي تفتك بهم الأمراض وتفنيهم الحروب وتقتلهم الكوارث والنوازل يتضورون بل يموتون جوعًا فلا يكون لذلك في نفسهم عبرة بل يزدادون غفلة وصدق فيهم قول الله تعالى: أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون [الأعراف:179].

هؤلاء يرتعون ويمرون ويرون أن هذه هي الحياة الطيبة وهي الحياة الكريمة فإلى الله مآلهم وبين يديه سؤالهم وحسابهم ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وصنف من الناس يا عباد الله ونعوذ بالله من حالهم يرون أن الحياة الطيبة في معصية الله فيفاخرون بها ويجاهرون ولا يرى كثير منهم أنها معصية بل يرى أنه كلما أمعن في المعصية أيًا كانت كلما استغرق فيها رأى أنه أخذ بنصيب وافر من الحياة الطيبة يجاهرون ويفخرون ويسخرون من غيرهم إن كانوا من أهل الشرك والكفر فإذا رأوا ما هم عليه من الشرك والكفر والإلحاد ومن تكذيبهم لله تعالى ولأنبيائه ورسله يرون أن تلك حياة كريمة وأنها تحرر يشركون بالله ويطعنون في الموحدين ويعصون الله ويؤذون الطائعين.

وإن كانوا من أهل الكبائر وما أكثرهم اليوم فهم ينتقلون من كبيرة إلى كبيرة حتى تذهب من أنفسهم هيبة الله تعالى وعظمته وحتى يُطبع على قلوبهم فيرون المعروف منكرًا والمنكر معروفًا ويصبح هذا هو معنى الحياة الطيبة عندهم والعياذ بالله من هذا الصنف.

وهؤلاء أصناف كثيرة وألوان شتى يراها الناس في حياتهم ويلمسونها ويحسونها كثير لا يتسع المقام لذكر هذه الأصناف. نسأل الله عز وجل أن يرزقنا الحياة الطيبة التي يرضاها لنا ويرضى بها عنا وأن يسلك بنا صراطه المستقيم.

أقول هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.


[1] أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب المساقاة باب لعن آكل الربا ومؤكله (3/1219) برقم 1598.

[2] أخرجه أحمد (2/387) والترمذي برقم (1336) وقال الترمذي حديث حسن صحيح.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين أحمده تعالى وأشكره وأثني عليه الخير كله وأصلي وأسلم على عبده ورسوله وخيرته من خلقه صلوات الله وسلامه عليه وعلى أهله وأصحابه أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: عباد الله بعد أن عرفنا بعضًا من أصناف الناس في هذه الحياة ومعنى الحياة الطيبة عندهم فتعالوا نسمع الحياة الطيبة التي يشهد الله تبارك وتعالى أنها حياة طيبة ومن أصدق من الله حديثًا.

يقول الله تبارك وتعالى: من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون [النحل:97].

هذه شهادة من الله وتعريف لهذه الحياة الطيبة ولكن كثيراً من الناس عن هذا غافلون يبحثون عن الحياة الطيبة وهي بين أيديهم ويضلون عنها وهي في متناول أيديهم من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون .

حياة طيبة في الدنيا وهي قوله تعالى: فلنحيينه حياة طيبة .

وحياة طيبة في الآخرة وهي معنى قوله تعالى: ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون .

هذه الحياة الطيبة أساسها وقوامها على أمرين اثنين أمرين عظيمين جليلين يسيرين على من يسرهما الله عليه:

الأمــر الأول: الإيمان بالله تبارك وتعالى.

والأمر الثاني: عمل الصالحات وفق ما شرعه الله تبارك وتعالى وما جاء عن رسوله .

وأول من أسعد بهذه الحياة الطيبة وعرف معناها أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام وإمامهم وسيدهم وخاتمهم نبينا محمد .

ثم إخوانه من الأنبياء والمرسلين عليهم صلوات الله وسلامه ثم أصحاب رسول الله أصحابه وأصحاب إخوانه من الأنبياء والمرسلين وأولهم وفي مقدمتهم أبو بكر الصديق رضي الله تبارك عنه وأرضاه الذي يقول رسول الله فيه: ((لو كنت متخذًا من أمتي خليلاً لاتخذتُ أبا بكر خليلاً))[1].

ثم عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم ثم إخوانكم من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ثم من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

يعرفون معنى الحياة الطيبة فيعملون لها، يعرفون معنى هذه الحياة فيعطونها حقها، ويعرفون معنى الحياة الآخرة فيعطونها حقها ويقرأون قول الله تعالى: وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون [القصص:60].

ويحذرون من قوله تعالى: زُيِّن للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة والله يرزق من يشاء بغير حساب [البقرة:212].

وإذا توفرت لهم هذه الدنيا وجاءت إليهم راغمة فإنهم يزهدون فيها طمعًا على ألا يكون هذا على حساب آخرتهم كما ورد عن عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه: (والله لو شئت لكنت ألينكم لباسًا وأطيبكم طعامًا وأرقكم عيشًا ولكني سمعتُ الله عيرَّ أقوامًا) فقال تعالى: أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها [الأحقاف:20].

وكان علي رضي الله عنه يقول في تهجده إذا جاء آخر الليل قبض على لحيته وقال مخاطبًا الدنيا: (إلي تغرغرت إلي تشوّفت هيهات هيهات غُري غيري قد بتتُك ثلاثًا طمعكِ حقير ومجلسكِ خطير وخطركِ يسير غري غيري فهيهات هيهات آه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق)[2].

فاتقوا الله عباد الله واعلموا أن هذا هو معنى الحياة الطيبة فاحرصوا عليها وتزودوا لها ولا يغركم كثرة الهالكين والغافلين عنها اتقوا الله واعلموا أن هذا هو الطريق الذي يوصلكم إلى رضوان ربكم وصلوا وسلموا على عبد الله ورسوله فقد أمركم بذلك فقال: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا [الأحزاب:56].



[1] أخرجه البخاري في صحيحه (3/1338) برقم 3654.

[2] أخرجه أبو نعيم في الحلية (1/85). وسنده ضعيف جداً.

محامد و أدعية طباعة الخطبة بدون محامد وأدعية 

إلى أعلى

إذا كانت لديك أية ملاحظات حول هذه الخطبة، إضغط هنا لإرسالها لنا.

كما نرجو كتابة رقم هذه الخطبة مع رسالتك ليتسنى لنا التدقيق وتصويب الأخطاء

 
 

 2004© مؤسسة المنبر الخيرية للمواقع الدعوية على شبكة الإنترنت، جميع الحقوق محفوظة

عدد الزوار حالياً