.

اليوم م الموافق ‏16/‏جمادى الثانية/‏1443هـ

 
 

 

الرزق

6300

الأسرة والمجتمع, الإيمان

خصال الإيمان, قضايا المجتمع

عبد الرحمن بن الصادق القايدي

جدة

17/4/1431

جامع الأنصار

محامد و أدعية طباعة الخطبة بدون محامد وأدعية 

ملخص الخطبة

1- اهتمام الناس بالرزق. 2- تكفل الله تعالى بأرزاق العباد. 3- الرزق يطلب صاحبه. 4- الرزق مقسوم قبل خروج العبد للدنيا. 5- حكمة الله تعالى في قسمة الأرزاق. 6- رزق الله تعالى لسائر الدواب.

الخطبة الأولى

معاشر المؤمنين، حديثنا اليوم عن أمر يقلق كل من خلقه الله من البشر إلا من رحم الله ممن قلبه مطمئن بالإيمان، هذا الأمر يتقاتل عليه الناس، ويتنافسون من أجله، وقد يسرق السارق ويرتشي المرتشي بل قد يقتل الرجل أخاه ويتقاطع الأقرباء، علما بأن هذا الأمر قد حسمه الله رب العالمين، وجعله لنفسه فقط، وهو أمر الرزق، ومع ذلك فما أكثر ما يتقاتل الناس على أرزاقهم، ويتنافسون في طلب أمرٍ قد فرغ الله منه وقضاه وكتبه، يقول المثنى الأنباري وهو من أصحاب الإمام أحمد: "لا تكونوا بالمضمون مهتمين -وهو الرزق والأجل- فتكونوا للضامن -وهو الله- متهمين ولرزقه غير راضين".

هذه القضية اعتقادية مهمة، ينبغي للعبد المؤمن أن يعتقدها ويعمل بها، وعليه أن يفهم أربعة أصول فيها، فإذا استقرت هذه الأصول الأربعة في قلب المؤمن واستوعبها فإنه يطمئن بعد ذلك ولا يجزع على أمر قد فرع الله منه وقرره سبحانه وتعالى.

فالأصل الأول أحبتي في الله: هو أن الله تكفل بأرزاق العباد، ولم يجعلها عند أحد من خلقه، فلا يطلب الرزق إلا منه تعالى، وأقسم على ذلك بنفسه الكريمة فقال عز من قائل: وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ. فبين أن رزق العباد جميعا برهم وفاجرهم مؤمنهم وكافرهم كل هؤلاء أرزاقهم عنده تعالى، ثم أقسم على هذه الحقيقة فقال: فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ أي: أن هذا الذي أقوله لكم بأن رزقكم عندي هو حق كما أنكم تنطقون ولا تشكون في هذه الحاسة التي وهبكم الله إياها، وهي من أوضح الحواس كما يقول أهل العلم؛ لأن الإنسان لو كان نظره ضعيفا لا ينتبه الناس إلى ضعف نظره، ولم كان شمه معدوما لا يدرك الناس ذلك، لكن لو كان منطقه ونطقه غير واضح لأدركوا ذلك من أول كلمة يقولها، فالنطق أوضح الحواس، فضرب الله مثلا بهذه الحقيقة وأنها حق واضح لا شك فيه: مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ.

وثاني هذه الأصول التي ينبغي أن يعرفها العبد المؤمن: أن الرزق نفسه هو الذي يطلبك، وليس العكس، يقول : ((إن الرزق ليطلب صاحبه أكثر مما يطلبه أجله))، فالأجل معروف، وكل الناس لا شك عندهم أنهم سيموتون وأن آجالهم آتية؛ فالرزق يطلبك أكثر مما يطلبك أجلك كما أخبر بذلك رسولنا . وفي الحديث الصحيح: ((إنّ روح القدس نفث في روعي أن نفسا لن تموت حتى تستكمل أجلها وتستوعب رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملن أحدكم استبطاء الرزق أن يطلبه بمعصية الله، فإن الله لا ينال ما عنده إلا بطاعته)) أي: أن روح القدس جبريل عليه وعلى رسولنا أفضل الصلاة والسلام أوحى إلى النبي حقيقة بينها له الله تعالى، وهي أن أي نفس مهما كانت لن تموت حتى تستكمل أجلها وتستوعب رزقها كاملا كما قسمه الله، فلا يحملنك -أيها المؤمن- استبطاء الرزق أي: تأخره أحيانا لا يجعلك تطلبه بمعصية الله، فإن ما قسمه الله يأتي دون معصية؛ ولذلك كان بعض أهل العلم يقسم أن السارق لو صبر لرزق ما سرقه؛ لأنه كتب له أن يستمتع بهذا المال، ولو صبر المرتشي لجاءه ما أخذه بالحرام. فالذي تعيش منه وتأكله قسم لك، والأمر إليك إما أن تطلبه بالحلال وإما أن تطلبه بالحرام.

أيها المؤمنون، الأصل الثالث: هو أن هذه الأرزاق قسمها رب العالمين وفرغ منها قبل أن يخرج الإنسان إلى الدنيا من رحم أمه، ففي صحيح البخاري حينما ذكر النبي تكوّن الإنسان في بطن أمه والمراحل التي يمر بها قال: ((ثم يبعث الله ملكا فيكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد، ثم ينفخ فيه الروح)). وهكذا يتبين لنا أن موضوع الرزق قد كتب وفرغ الله منه.

معاشر المؤمنين، رابع الأصول الأربعة: أن يعلم العبد المؤمن أن هذه الأرزاق قسمها الله بعلمه وحكمته ولطفه بعباده، فلم يقسمها بمعيار التقوى والصلاح، وإلا كان أغنى الخلق أحبهم لله وهو سيدنا رسول الله ، فهذه الأرزاق قال الله عنها: وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ أي: أن الله تعالى خبير بعباده بصير، يعلم ما يصلحهم، وكما في الحديث القدسي: ((إن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر، ولو أغنيته لأفسدت عليه دينه، وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى، ولو أفقرته لأفسدت عليه دينه)). فتقسيم الأرزاق -أيها المؤمنون- بعلم الله وحكمته، وكم من رجل صالح بل وكم من طالب علم كان من الأتقياء الصالحين، فوسع الله عليه في رزقه وأصبح من أهل العقارات، ففتن وترك العلم والدعوة إلى الله، وبرر ذلك بمبررات شيطانية، وكم من رجل فقير دائم الدمعة منيب إلى ربه لا تفوته صلاة في المسجد يسارع إلى مرضاة الله بكل رضا وقناعة. فالفقر -يا عباد الله- قد يكون خيرا لهذا العبد لو كان يعلم، فتضييق الرزق يكون أحيانا لصالحك؛ لتلجأ إلى الله وتتوسل إليه، وتوسعة الرزق يكون فيه فساد عريض أحيانا لو علم العبد نتيجة ذلك.

أسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يرزقني وإياكم غنى القلب، فإنه أعظم الغنى وأفضله.

أقول قولي هذا...

 

الخطبة الثانية

أحبتي في الله، تأملوا قوله تعالى: وَكَأَيِّن مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. هذه الدواب لا تحمل رزقها على ظهرها حيثما كانت، بل الله يرزقها؛ لأنه تعالى كتب هذه الأرزاق لجميع من خلق حتى الدواب التي تدب على الأرض، رزقها معلوم لديه سبحانه، ليس ذلك فقط، بل حتى إبليس اللعين كتب الله رزقه، ففي الحديث الصحيح أن إبليس قال: يا رب، كل خلقك بينت رزقه، ففيم رزقي؟ تصوروا هذا الخبيث الذي كفر ولعنه الله وطرده من رحمته يسأل: أين رزقي؟ فهل حرمه الله الرزق؟ وهل منعه الله الرزق؟ كلا، بل قال الله له كما في الحديث الصحيح: ((رزقك فيما لم يذكر اسمي عليه))، فكل طعام أو شراب لا يذكر اسم الله عليه فهو رزق رزقه الله إبليس، كما في الحديث إن الرجل إذا دخل بيته فسمى قال الشيطان لأصحابه: فاتكم المبيت، وإذا أكل وسمى قال: فاتكم العشاء، وأما إذا أكل ولم يسم قال: أدركتم العشاء، وأحيانا يدرك المبيت والعشاء، وقد يشارك الرجلَ في زوجته إن لم يسم؛ لذلك يلاحظ أن البيوت التي لا يذكر فيها اسم الله كثيرا وتكثر فيها الملهيات ووسائل الترفيه نجد أن أغلب أهلها يعانون من أمراض نفسية ومشاكل أسرية، كل ذلك بسبب قلة ذكر الله تعالى في بيوتهم.

فيا أيها المؤمنون، إن الإيمان عند أهل السنة قول وعمل، فقد يؤمن الإنسان ويصدق بهذه الأصول الأربعة التي ذكرناها وهي: أن الرزق من عند الله وأنه يطلبك وأن الله هو الذي قسمه بعلمه وحكمته ولطفه، إلا أن سلوك بعض الناس مخالف لهذه الأصول التي آمن بها، فتراه يتعامل بالربا ويقول: لو كان الربا حراما ما انتشر بالبنوك، وأن الأوضاع الاقتصادية اليوم تغيرت وتحتاج لمثل هذه التعاملات، فكيف يكون أمثال هؤلاء مؤمنين بهذه الأصول؟! وقس على هذا كثيرا من التعاملات والعلاقات الاجتماعية، ولقد علم العالم كله اليوم أن المشاكل الاقتصادية التي يعاني منها الغرب ما هي إلا بسبب الربا بجميع أنواعه.

فعودوا -أيها المسلمون- إلى دينكم، وتمسكوا به، ولا تلتفتوا إلى ما يقال هنا وهناك من أقوال الهدف منها إخراج المسلم من دينه بطرق غير مباشرة.

ثم صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه...

 

محامد و أدعية طباعة الخطبة بدون محامد وأدعية 

إلى أعلى

إذا كانت لديك أية ملاحظات حول هذه الخطبة، إضغط هنا لإرسالها لنا.

كما نرجو كتابة رقم هذه الخطبة مع رسالتك ليتسنى لنا التدقيق وتصويب الأخطاء

 
 

 2004© مؤسسة المنبر الخيرية للمواقع الدعوية على شبكة الإنترنت، جميع الحقوق محفوظة

عدد الزوار حالياً